الجمعة، 1 نوفمبر 2019

لنا أن نختار إما أن نكون خامة أو شجرة أرز


صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
لنا أن نختار إما أن نكون خامة أو شجرة أرز
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تفيئها الرياح، تصرعها مرة وتعدلها، حتى يأتيه أجله، ومثل المنافق مثل الأرزة المجذية التي لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة»
قال أهل العلم : وهذا من أبلغ التشبيهات النبوية التي صور فيها حال المؤمن حال تلقيه المصائب، ومعاناته البلاء، حيث شبهه بالنبتة اللينة التي تتلقاها الريح، واختار التعبير بالريح لا الرياح؛ لأن الريح لا تكون إلا في التمحيص والفتنة، فالنبتة اللينة تميل مع الريح مطاوِعة غير معانِدة، فلا تنكسر ولا تتفتت، ثم تعاودها الريح مرة أخرى فتميل معها، حتى إذا انتهت عاصفة الريح عادت إلى اعتدالها، وهكذا يكون حال المؤمن مستسلما لقضاء الله، متوافقا مع مراد الله، غير معاند ولا متسخط، بل يصبر ويحتسب .
قَال أبو عبيد: شَبّه المؤمن بالخامة التي تميلها الرياح لأنه مُرَزَّأٌ في نفسه وَأهله وماله. وأمَّا الكافر فمثل الأرزة التي لا تميلها الرِّياح والكافر لا يرزَأ شَيئا حتى يَموت وان رزئ لمَ يؤجَر عليه فشبه موته بانجعاف تلك الأرزة حتى يلقى الله بذنوبه جمّةً.
وأقول إن الحديث النبوي الشريف يمنحنا الراحة النفسية الحقيقة على الرغم مما نحن فيه من البلاء . وتستغرب حين تسمع من يقول حين تحل به نكبة مهما قلت  : أشو عاملين لـ الله عياذا بالله ، وكأنه خلق بشروط اشترطها على خالق السموات والأرض . منها أن لا يصيبه مكروه ونسي أن من استدعاه لهذا الكون هو رب العالمين .
كثيرون يعشون وهم غارقون بنعم الله . منهم من تصور الهناء واستجلاب مصدره أن يعيش الآخرون في بلاء .
فاستمرار البلاء على البعض سر في سعادة من عاش حياة الأرزة وليس لهم في خامة الزرع نصيب
ويا رب فرج عن الشام وأهل الشام
ــــــــــــــ
صحيح مسلم (4/ 2164)
صحيح البخاري (7/ 115)
المعلم بفوائد مسلم – التميمي (3/ 349)

 الانجعاف: الانقلاع
الْأَرْزَة الْمُجْذِيَة: الثابتة المنتصبة

كافور الأخشيدي هل ظلمه المتنبي ؟


صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
كافور الأخشيدي
هل ظلمه المتنبي ؟
بداية قولوا سبحان الله
كافور عبد أسود خصي مثقوب الشفة السفلى بطين قبيح القدمين ثقيل البدن لا فرق بينه وبين الأمة، وكان هذا العبد الأسود لقوم من أهل مصر يعرفون ببني عياش يستخدمونه وكان سيده يربط في رأسه حبلا إذا أراد النوم فإذا أراد منه حاجة جذبه بالحبل لأنه لم يكن ينتبه بالصياح، وكان غلمان ابن طغج يصفعونه في الأسواق كلما رأوه فيضحك فقالوا هذا الأسود خفيف الروح، وكلموا صاحبه في بيعه فوهبه لهم، فأقاموه على وظيفة الخدمة، ومات سيده أبو بكر بن طغج وولده صغير، وتقيد الأسود بخدمته وأخذ البيعة لولد سيده، ثم تفرد الأسود بخدمته وخدمة والدته، فقرب من شاء وبعد من شاء ، فتسابق الناس إلى التقرب إليه، وكان محمد بن طغج قد رأى في كافور النبوغ فعينه كمشرف على التعاليم الأميرية لأبنائه، ثم لاحظ ولائه وإخلاصه وموهبته جعله حرا وأطلق سراحه، وأرسله كقائد عسكري في عام 945 لسوريا، ثم قاد عدة حملات أخرى في الحجاز . قال أصحاب السير وَكَانَ ذكياً لَهُ نظر فِي الْعَرَبيَّة وَالْأَدب وَالْعلم وَكَانَت أيامه سديدة جميلَة ودعي لَهُ على المنابر بالحجاز ومصر وَالشَّام والثغور .وكان يحب العلماء والفقهاء، ويكرمهم، ويتعهدهم بالنّفقات، ويكثر الصدقات حتّى استغنى الناس في أيامه، ولم يجد أرباب الأموال من يقبل منهم الزكاة فرفعوا أمر ذلك إليه فأمرهم أن يبتنوا بها المساجد ويتخذوا لها الأوقاف . كما كان يحب أهل الأدب ويكثر مجالستهم . دخل أبو بكر سيبويه المصري نافلة البصرة على كافور الإخشيدي وعنده بعض ندمائه. فقال: أيها الاستاذ، دعني أهاتره. فقال: إنك لا تطيقه. قال: لا بد من ذلك. قال: شأنك. قال: يا أبا بكر، ما حد الرأس؟ قال: ما أحاط به جربانك، وأدبك عليه سلطانك، ولاعبك فيه إخوانك. فخجل الرجل، وضحك كل من حضر.
دخل عليه أبو الفضل بن عياش عند كافور الإخشيدي، فقال: أدام الله أيام مولانا، وكسر الميم فتبسم كافور إلى أبي إسحاق، ففطن لذلك، فقال ارتجالا:
لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... وغص من دهشٍ بالريق والبهر
فمثل سيدنا حالت مهابته ... بين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيام من دهش ... في موضع النصب لا من قلة البصر
فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثوره عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصبٍ ... وأن دولته صفو بلا كدر
فأمر له بثلاثمائة دينار وللنجيرمي بمائتين.
المتنبي أحد أشهر شعراء العرب  وقد لازم المتنبي سيف الدولة الحمداني في حلب سنوات طويلة ، وكان سيف الدولة يغدق عليه العطاء كما كتب المتنبي في سيف الدولة عدد من أفضل قصائده في المدح .وفي أحد الأيام وقع خلاف بين المتنبي وشاعر أخر يدعى ابن خلويه أثناء تواجدهما في مجلس سيف الدولة ، فقام ابن خلويه وضرب المتنبي في وجهه بمفتاح كان يمسكه في يده فشق وجهه ، ولم يتدخل سيف الدولة للدفاع عن المتنبي فشعر بالغضب وخرج من مجلس سيف الدولة واتجه نحو دمشق وظل هناك حتى وصلته دعوة من كافور الإخشيدي حاكم مصر وأجزاء من الشام في ذلك .فمدح وأجزل له العطاء
حببتك قلبى قبل حبك مــن نأى *** وقد كان غدارا فكن أنت وافيا
فإن دمــوع العين غــــــدر بربها *** إذا كـــــن إثر الغادرين جواريا
ولكن بالفسطاط بحـــر أزرته *** حياتى ونصحى والهوى والقوافيا
إلا أن المتنبي غره الطمع فذم الإخشيد حين لم يلبي أطماعه فهرب وترك مصر ثم ذمه
نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصرٍ عَنْ ثَعَالِبِها *** فَقَدْ بَشِمْنَ وَما تَفنى العَنَاقيدُ
صَارَ الخَصِيّ إمَامَ الآبِقِينَ بِهَ *** فالحُرّ مُسْتَعْبَدٌ وَالعَبْدُ مَعْبُودُ
لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ *** إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (3/ 493)
جمع الجواهر في الملح والنوادر  - أبو اسحاق الحصري (ص: 86)
زهر الآداب وثمر الألباب (4/ 1039)
قال وحدثني أبو إسحاق النجيرمي
بدائع البدائه - االأزدي(ص: 198)
صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (3/ 390)

حكي أعوج ، بس مشي ساوي


صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
وفي المعرة عندنا يقولون : حكي أعوج ، بس مشي ساوي
أي كن صحيحا في سلوكك حتى وإن أخطأت فيما تقول .
ويقولون : مضيع السطل . كناية على أنه . أي أنه يعيش في حالة بعيدة عن واقعه حاله كحال اثنين فبعد ليلة عامرة بالشراب في إحدى الحانات ، عاد الصديقان في السيارة إلى منزليهما . وفجأة صاح أحدهما  : انتبه لقد كدت تصطدم بعمود الإنارة . فدهش الآخر وسأله : ماذا تقول ؟ ألست أنت من يقود السيارة ؟ . ومن غريب هذه الأيام أن كثر من يتكلم بالصحيح وحياته كلها في عوج
نمشي وأرجلنا عُوجٌ مواقعُها ... مشي الإوز التي تأتي من الصِّينِ
وأنشدت امرأة في وصف واقع زوجها
تراه أهوج ملعونا خليقته ... يمشي على مثل معوجّ العراجين
وأقول نحن نستمطر الفرج ونسير في طريق البلاء
يا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا

العرجون : عود طويل موج

أن تأخذ بقوة ، يعني أن تعطي بقوة


صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
أن تأخذ بقوة ، يعني أن تعطي بقوة
فأَقْوَى النّاس أَحْسَنُهُمْ مَعُونَةً لهم . فليست القوة في كِبَرِ الجثة: فرب صغيرٍ ضعيفٍ قد بلغ حيلته ودهائه ورأيه ما يعجز عنه كثير من الأقوياء. وللمرء أن يدخر قوته لنوائب الدهر يستعين بها في مواجهتها . فالقوة سواء كانت مادية جسدية أم معنوية ، فهي بالنسبة لكل الخلق أمر مكتسب يزول بزوال الأسباب التي أدت لبلوغه 0
ونسب إلى معاوية رضي الله عنه قوله : ما رأيت تبذيرا إلا وإلى جانبه حق مُضَّيعٌ. ما في يدك أسلم من طلب الفضل إلى الناس. ما غضبي على من أملك، وما غضبي على ما أمُلك. أنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. التسلط على المماليك من لؤم القدرة، وسوء الملكة.
والقوة لا تعني الأخذ مطلقا فلو كان ذلك ما رزق الله الكافر قطرة ماء . إلا أن الأنانية وحب الذات والخوف من الغيب وعدم الثقة بمن وِهب يجعل المرء قليل العطاء مقتراً
قال ابن أمَّ صاحبٍ :
أتَيْتُ الولَيدَ فألْفَيْتُهُ ... كَمَا قَدْ يُقَالُ غَنِيًّا بَخِيلا
غَنِىَّ العَفَاءِ بَطِيَء العَطَاءِ ... لاَ يُرْسِلُ الخَيْرَ إلا قَلِيلاَ
فَقَدْتُ الوَلِيدَ وَأنْفاً لَهُ ... كَثَيْلِ القَعُودَ أبَى أَنْ يَبُولاَ
فَلَيْتَ لَنَا خَالِداً بِالوَليدِ ... وَعبْدَ العزيز بَيحْيىَ بَدِيلاً
أَنَحْنُ قَعَدْنَا بِأَبْنَائنَا ... أمِ القَوْمُ أنْجَبُ مِنَّا فُحُولاَ
فَإنْ تَمْنَعُوا مَا بِأيْدِيكُمُ ... فَلَنْ تَمْنَعونِي إذَا أنْ أقُولاَ
يا رب أكرمنا بأن نعطي كما أعطيتنا
مُنّ علينا بأن نمنح الأرض التي نبتنا عليها ظل فضلك
هب لنا من القوة ما تعيننا به على التمسك بالحق ، ومن الحق أن نؤب عن الباطل
فرج يا رب عن سوريا وأهل سوريا
ـــــــــــــــــــــ
كليلة ودمنة (ص: 111)
الإعجاز والإيجاز  للثعالبي (ص: 73)
التمثيل والمحاضرة – الثعالبي (ص: 31)
الوحشيات – أبي تمام (ص: 219)

المماليك



صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
المماليك
الإسلام دين جاء بمبدأ العدل والمساواة بين الناس وذلك في الحقوق والواجبات بغض النظر عن اختلافهم في ألوانهم ولغاتهم وحرفهم أو غناهم وفقرهم . قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ ۞سورة الحجرات .وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ» ، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ . ولما جاء الإسلام وضع شرع الله لتصفيته حتى تم ذلك .
فمن هم المماليك ؟
مما فعله الإسلام أن أغلق باب الرق فيما سوى الحروب التي كانت خاضعة للمعاملة بالمثل . وكفل لهؤلاء الحرية التامة حتى في البقاء على أديانهم وممارسة شعائرهم . والمقصود بالمماليك العبيد أو الرقيق ولا سيما من سبي آباؤهم ولا أمهاتهم . والمملوك هو العبد الذي يباع ويشترى . أما الذي سُبي أبواه فيعرف بالقن .وفي التاريخ الإسلامي اتخذ اللفظ اصطلاح خاصا .ومنذ عهد الخليفة العباسي المأمون وأخيه المعتصم فقد تم شراء أعداد كبيرة من الرقيق الأبيض ليتشكل منهم فرق عسكرية محاربة ، وليصبح المماليك مع مرور الوقت الأداة الرئيسية في الحروب ولاسيما منذ عهد الملك الصالح أيوب فلقد كثر المماليك في مصر . ولم تكن معاملة المملوك الرقيق كعبد بل على العكس فقد كانوا يقربونهم حتى لدرجة معاملتهم كأبنائهم وكانت الرابطة رابطة المعلم والتلميذ . ويشرح لنا المقريزي كيفية تربية المملوك الصغير حيث يعلم اللغة العربية ومن ثم القرآن الكريم ومبادئ الفقه الإسلامي والآداب الإسلامية وللصلاة عناية خاصة . فإذا بلغ سن الشباب بدأ التدريب على الفروسية والأعمال القتالية . ولقد كان للمماليك الدور الهام في محاربة الفرنجة الصليبيين وكذلك في دفع غزو التتار وكلنا نعلم أن المظفر قطز قائد معركة عين جالوت والظاهربيبرس من المماليك . وفي النهاية قامة دولة المماليك .ومن طرائف التاريخ فتوى شيخ الإسلام العز بن عبد السلام بعدم جواز تولي المماليك حكم الأحرار وأنه  ولا يجوز لهم الولاية على الأحرار وعدم جواز ولايتهم وبالتالي عزلهم جميعا من مناصبهم فبيعوا ثم أعتقوا ورد ثمنهم لبيت مال المسلمين
ــــــــــــــ
مسند الإمام أحمد (38/ 474)
تاريخ دمشق لابن عساكر
وفيات الأعيان ابن خلكان
السلوك في طبقات العلماء والملوك - بهاء الدين الجُنْدي اليمني
تاريخ الإسلام – الإمام الذهبي
سير أعلام النبلاء - الإمام الذهبي
أعيان العصر وأعوان النصر – الصفدي

أنفق ما في الجيب يأتي ما في الغيب


صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
أنفق ما في الجيب يأتي ما في الغيب
مقولة نتداولها ، وكم أضرت بنا
ففيها معنى التسويف كالذي ترشده إلى خطأ فيجيب : ليوم الله بيفرجا الله
ترى ما الضمانة أن نعيش لنرزق ؟! أو أن نعيش لنتوب ؟! أو أن نعيش لنصلح ما أفسدنا ؟! منا من أفسد بسوء سلوكه الأهل والوطن . وبكرة منصلحا .طيب يا أخي لِم أفسدت ؟ وبعدها ما تنتظر ؟ !
صحيح أن الله كفل الرزق لكل من خلق حتى من كفر منهم . قال الله تعالى : ( ... قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٢٦﴾ سورة البقرة .هي ليست دعوة للإقتار على النفس أو الأهل . بل من المندوب له أن يوسع المرء على عياله . قال بزرجمهر : إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق ، فإنها لا تفنى ، وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنها لا تبقى.
أخذه بعضهم فقال:
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التّبذير والسّرف
وإن تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
ولكن الاسراف في كل أمر منبوذ . قال أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إني لأبغض أهل بيت ينفقون رزق أيام في يوم واحد .
لا تبعدوا النظر فلربما كان الاسراف في حياتنا ، سر من أسرار ما نحن فيه من بلاء
ـــــــــــــــ
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء – الراغب الأصفهاني (1/ 579)
عيون الأخبار - الدينوري (3/ 201)
العقد الفريد (1/ 191)

هل فكرت برد الجميل


صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
هل فكرت برد الجميل
ومن حافظ إبراهيم وخليل مطران بل مما رواه الأصمعي عن غلام وفتاة نتعلم
تذكر معي
ترى هل شكرت ربك على حسن خلقك وخُلقك
هل أديت بعض جميل والديك عليك
تذكر معي أنك في أرض الشام وبين أهلها . فهل أديت الشكر على هذه النعمة
وللناس في رد الشكر مذاهب .
هناك من فكر بقتل من أغرقه بمعرفه عسى أن يدخل بقتله له النار ، ويدخل صاحب المعروف الجنة .
أقام حافظ إبراهيم مع خليل مطران في أحد الفنادق ، وحدث أن فقد حافظ زر قبة قميصه . فقدم إليه مطران زرا عوضا عن الضائع فشكره حافظ ، ثم قال له : سأرده لك اليوم . فسأله مطران وعلام السرعة ؟
أجابه حافظ . لأني لا أطيق أن يبقى جميلك في عنقي
روي عن الأصمعي أنه قال: بينا أنا أسير في طريق اليمن، إذا أنا بغلام واقف في الطريق، وهو يمجد ربه بأبيات من الشعر
يا فاطر الخلق البديع وكافلا ... رزق الجميع سحاب جودك هاطل
يا مسبغ البرّ الجزيل ومسبل ... الستر الجميل عميم طولك طائل
يا عالم السرّ الخفي ومنجز ... الوعد الوفي قضاء حكمك عادل
عظمت صفاتك يا عظيم فجلّ أن ... يحصي الثناء عليك فيها قائل
الذنب أنت له بمنّك غافر ... ولتوبة العاصي بحلمك قابل
قال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب لي عليك! قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على مذهب ابراهيم الخليل عليه السلام، لا أتغدى ولا أتعشى كل يوم، حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته إلى ذلك، فرحب بي، وسرت معه حتى قربنا من خيمته، فصاح: يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة بالبكاء، فقال: قومي
إلى ضيفنا فقالت الجارية: حتى أبدأ بشكر الله الذي ساق لنا هذا الضيف، ثم قامت فصلت ركعتين شكرا لله تعالى. قال: فأدخلني الشاب الخيمة، وأجلسني ثم أخذ الغلام الشفرة وعمد إلى عناق (وليدة الماعز ) فذبحها، قال: فلما جلست في الخيمة، نظرت إلى الجارية، فإذا هي أحسن الناس وجها، فكنت أسارقها النظر، ففطنت لبعض لحظاتي إليها، فقالت لي: مه أما علمت أنه نقل عن صاحب طيبة عليه السلام، أنه قال: إن زنا العينين النظر، أما إني ما أردت بهذا أن أوبخك، ولكني أردت أن أؤدبك لكي لا تعود إلى مثل هذا. قال: فلما كان النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة، وباتت الجارية من داخلها، فكنت أسمع دوي القرآن إلى السحر، بأحسن صوت يكون وأرقه، ثم سمعت أبياتا بهذا من الشعر بأعذب لفظ، وأشجى نغمة وهي هذه:
أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمته ... فأصبح عندي قد أناح وطنبا
إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكره ... وإن رمت قربا من حبيبي تقربا
ويبدو فأفنى ثم أحيا بذكره ... ويسعدني حتى ألذّ وأطربا
قال: فلما أصبحت قلت للغلام: صوت من كان ذلك؟ قال: تلك أختي، وهذا شأنها كل ليلة، فقلت: يا غلام كنت أنت أحق بهذا العمل من أختك، إذ أنت رجل وهي امرأة. قال: فتبسم .قال الأصمعي: فودعتهما وانصرفت.
حياة الحيوان الكبرى – الدميري (2/ 211)
مجلة العربي الكويتية

ولمن أحب تتمة أبيات الغلام
ربّ يربي العالمين ببره ... ونواله أبدا إليهم واصل
تعصيه وهو يسوق نحوك دائما ... ما لا تكون لبعضه تستاهل
متفضل أبدا وأنت لجوده ... بقبائح العصيان منك تقابل
وإذا دجا ليل الخطوب وأظلمت ... سبل الخلاص وخاب فيها الآمل
وأيست من وجه النجاة فما لها ... سبب ولا يدنو لها متناول
يأتيك من ألطافه الفرج الذي ... لم تحتسبه وأنت عنه غافل
يا موجد الأشياء من ألقى إلى ... أبواب غيرك فهو غرّ جاهل
ومن استراح بغير ذكرك أو رجا ... أحدا سواك فذاك ظلّ زائل
رأي يلم إذا عرته ملمة ... بسوى جنابك فهو رأي مائل
عمل أريد به سواك فإنه ... عمل وإن زعم المرائي باطل
وإذا رضيت فكل شيء هيّن ... وإذا حصلت فكل شيء حاصل
أنا عبد سوء آبق كلّ على ... مولاه أوزار الكبائر حامل
قد أثقلت ظهري الذنوب وسوّدت ... صحفي العيوب وستر عفوك شامل
ها قد أتيت وحسن ظني شافعي ... ووسائلي ندم ودمع سائل
فاغفر لعبدك ما مضى وارزقه تو ... فيقا لما ترضى ففضلك كامل
وافعل به ما أنت أهل جميله ... والظنّ كلّ الظن أنك فاعل


ومن الأبيات ذات الدلالة على الشكر
لأَبِي الفَضْلِ بَهَاءِ الدِّيْنِ زُهَيْرُ بن مُحَمَّد بن عَلِيٍّ المُهَلَّبِيِّ المِصْرِيِّ:
آيَاتُ مَجْدِكَ مَا لَهَا تَبْدِيْلُ ... وَعُلُوّ قَدْركَ مَا إِلَيْهِ سَبيْلُ
يُعْزَى لَكَ الإحْسَانُ غَيْر مُدَافِعٍ ... وَالمُحْسِنُوْنَ كمَا عَلِمْتَ قَلِيْلُ
هَذَا هُوَ الشَّرَفُ الَّذِي لَا يدَّعَى ... هَيْهَاتَ مَا كُلُّ الرِّجَالِ فُحُوْلُ
أَيَّامُكُمْ كَسَتِ الزَّمَانَ مَحَاسِنًا ... فَكَأَنَّهَا غُرَر لَهُ وَحُجُوْلُ
نَفَقَتْ لَدَيْكُمْ سُوْقُ كُلّ فَضيْلَةٍ ... وَالفَضْلُ في هَذَا الزَّمَانِ فَضُوْلُ
يا مَنْ إِذَا ندَاءُ الجمِيْلَ أَعَادَهُ ... فجمِيْلُهُ جمِيْلِهِ مَوْصُوْلُ
الدر الفريد وبيت القصيد – المستعصمي (4/ 308)