صَبِيحَةٌ
مُبارَكَة
إخوَتِي
أَخَوَاتِي
الخيانة
كانت سبب الغزو الفارسي لمصر (سنة ٥٢٥ق.م)
لو
استقرءنا التاريخ لوجدنا أن المعارك
الكبرى في نتائجها كان للخيانة الدور البارز فيها فالإسكندر المكدوني ربح معركته
مع الفرس والسر خيانة ابنة كسرى وعشقها للاسكندر فسقطت فارس ، وسعدى ابنة الزناتي
خليفة كانت كذلك سببا في انتصار بني هلال على والدها واستقرارهم في تونس ، كذلك نُكبت
مصر بالغزو الفارسي، الذي قاده قمبيز بن قورش.وفي عهد الفرعون أبسماتيك
الثالث، مهد قمبيز للغزو باخضاع دويلات
آسيا الصغرى وبعض الجزر اليونانية، وجمع في آسيا جيشًا جرارًا لمهاجمة مصر، وقد
أفلح هذا الجيش في حملته واحتل البلاد. وكانت مصر قبل ذلك قد سيطرت على العالم
المتمدِّن من أوائل القرن السادس عشر، ونشرت علومها وحضارتها في مختلف البلدان، ثم
أخذت عوامل الضعف تُوهن من كيانها نتيجة للانقسامات الداخلية من جهة، ولانغماسها
في الترف من جهة أخرى. وساعد الفرس على غزو مصر خيانات ثلاث تألَّبتْ عليها، وكان
لها الأثر الأليم في ضعف المقاومة. ومن أبرزها خيانة اليهود : فقد اتفق اليهود مع
قمبيز على أن يتخذ من بلادهم قاعدة للانقضاض على مصر مقابل أن صرَّح لهم ببناء معبد
أورشليم، هذا إلى أنه اكتسب بهذا الاتفاق ولاء الجنود اليهود المرتزقة الذين كانوا
في الجيش المصري . فاليهود إذن قد مالؤوا
الفُرس وعاونوهم على غزو مصر في القرن السادس قبل الميلاد، وجعلوا من فلسطين قاعدة
للانقضاض عليها. وضاعف الأمر خيانة فانيس Phanès . كان «فانيس» هذا إغريقيًّا من هليكارتاس،
وكان رئيسًا لفرقة من الجنود المرتزقة في الجيش المصري منذ عهد أمازيس، فخان عهده
لمصر، وفرَّ إلى معسكر الأعداء، وأطلع قمبيز على أسرار الخطط الحربية التي أعدَّها
المصريون لمُقاومة الحملة الفارسية. وكان لها ولا ريب أثرها البالغ في إضعاف
الجبهة المصرية. ومن ثم خيانة البدو في سيناء . وكان قمبيز يجهل الطريق الذي يجب
أن يسلكه في سيناء، فأطلعه «فانيس» الخائن على مسالك الصحراء، وسهَّل له الاتصال
برؤساء البدو القاطنين بسيناء، فوفَّرُوا له ولجيشه الماء والمئُونة عبر الصحراء
حتى وصل إلى أبوابِ مصر، فكانت خيانة البدو من الأسباب التي سهَّلت لقمبيز غزو
البلاد. وكان اعتلاءُ أبسماتيك الثالث العرشَ في أشد الظروف خطرًا؛ إذ كان
«أمازيس» ولا ريبَ أقدرَ منه على صدِّ العدوان الفارسي، وكانت له من خبرته وكفايته
في القيادة ونفوذه على مواطنيه ما يجعل الأمل كبيرًا في صد الزحف الفارسي، ومرَّتِ
البلاد بعد موته بفترة اضطراب في الأفكار ساعدت الفرس على الغزو. حشد قمبيز جنوده
في فلسطين، وأرسى أسطوله في عكا. وزحف الجيش الفارسي من غزة والتقى بالجيش المصري
في بيلوز (الفرما) سنة ٥٢٥ق.م، يعاونه أسطوله من البحر. ودارت معركة في بيلوز هُزم
فيها الجيش المصري بقيادة أبسماتيك الثالث بعد مقاومة يسيرة؛ إذ كان الجيش الفارسي
أكثر منه عددًا وأشد قوة. وهنا تزعم بعض القصص الخرافية أن قمبيز استعان على شلِّ
حركة المقاومة في بيلوز، فأمر بأن تُوضَع كلاب وقطط وحيوانات أخرى مقدسة على رأس
القوة المهاجمة، فامتنع المصريون عن استعمال أسلحتهم خوفًا على هذه الحيوانات. ولم
تثبت هذه الرواية بل إن التلفيق واضح فيها . وارتد أبسماتيك الثالث إلى منف ليقاوم
الغزاة، فتعقَّبه قمبيز، وسقطت «منف» أمام هجوم الجيش الفارسي، ووقع أبسماتيك
الثالث أسيرًا في يد قمبيز. فقتله قمبيز ، بعد أن وقع الملك الشاب أبسماتيك الثالث
أسيرًا في يد الفرس عُومل بقسوة ووحشية. تعمد قمبيز إذلال المصريين، فأجلس
أبسماتيك وكبار المصريين الذين أسرهم معه عند مدخل المدينة للزراية بهم، وألبس
ابنته وبنات الكبراء ملابس الجواري والإماء وأمرهن أن يحملن الجرار لإحضار الماء
ويسرن أمامه، فشقَّ هذا المنظر على أبسماتيك ولكنه تجلَّد وسكتَ ونظر إلى الأرض
وأطرق. ثورات عديدة واجهت الفرس وقد سجَّل شاعر العروبة الخالد أحمد شوقي هذا
الحادث ضمنَ قصيدةٍ طويلة له عن «كبار الحوادث في وادي النيل»، نظمها وقدَّمها إلى
المؤتمر المشرقي الدولي الذي انعقد في سويسرا عام ١٨٩٤م، قال عن الحادث وملابساته:
لا
رعاك التاريخ يا يوم «قمبيـ .. ـز» ولا طنطنت بك الأنباء
دارت
الدائراتُ فيك ونالتْ .. هذه الأمةَ اليدُ العَسْراء
حاول قمبيز فرض سيطرته على مصر ونصَّب قمبيز نفسه
ملكًا على مصر (فرعونًا). إلا أنه واجه
مقاومة داخلية في مصر ولم يبقَ قمبيز طويلًا بعد إخفاقه في فتح النوبة وسيوة وعاد
أدراجه إلى فارس، فمات في الطريق سنة ٥٢٢ق.م، وقيل إنه مات منتحرًا إذ كانت تصيبه
نوبات عصبية. وخلفه ابنه «دارا» الأول. وقد أراد «دارا» أن يستميل إليه المصريين
ويخفِّف عنهم وطأة الهوان الذي لاقوه من الغزو، فرفع عنهم بعض القيود، وجاء إلى
مصر زائرًا سنة ٥١٨ق.م، وأمر بتغيير سياسة أبيه قمبيز وقرر إصلاحات جزئية. ولكن
المصريين ظلوا على سخطهم على الاحتلال الأجنبي، وأخذوا يعدون العدة للتحرر منه. لم
يقبل الشعب المصري الاحتلال الفارسي وظل يكافحه، وتتابعت ثوراته بين حين وآخر. ولما
تُوفِّي دارا الأول سنة ٤٨٥ق.م خلفه على عرش فارس ابنه «أجزر كسيس». فزحف على مصر
ليقمع الثورة فتصدى له أبناؤها، ولكن القوة غَلَبَتْهم على أمرهم وأخمدت ثورتهم،
وبذلك انتهت الثورة بالإخفاق. وكان اليهود في إلفنتين (جزيرة أسوان)، وغيرها من
المدن المصرية أعوانًا للفرس ضد المصريين في كِفاحهم. قُتل أجزر كسيس سنة ٤٦٤ق.م
بيد قائد حرسه. وكان هذا العاهل مشهورًا بالخلاعة والإثم. وخلفه «أرتاجزر كسيس». ومات
«أرتاجزر كسيس» سنة ٤٢٤ق.م، فخلفه على العرش «دارا الثاني». وثارت مصر في وجه
الفرس بقيادة البطل أمير تاوس (آمون حر) سنة ٤١٠ق.م، واستمرت الثورة عدة سنوات.
انتصرت
هذه الثورة، وحررت البلاد من احتلال الفرس سنة ٤٠٤ق.م. وبُويع أمير تاوس (آمون حر)
محرر البلاد من الاحتلال الفارسي ملكًا على مصر المستقلة سنة ٤٠٤ق.م مؤسسًا الأسرة
الثامنة والعشرين الذي كان ملكها الوحيد، وحكم البلاد نحو ست سنوات. ونعمت مصر
باستقلالها نيفًا وستين عامًا، توارث العرش في خلالها الأسرات الثامنة والعشرون
والتاسعة والعشرون والثلاثون، وكلها مصرية. عاد الفرس إلى مصر، وفي سنة ٣٤١ق.م جرَّد
الفرس حملة جديدة على مصر، وكان يتولى الحكم فيها نقطانب الثاني، وهاجمت مصر برًّا
وبحرًا فهزمت الجيش المصري، واحتلت البلاد ثانيةً بعد أن كان الفرس قد جلوا عنها،
وبعد أن استردت مصر استقلالها منذ أكثر من ستين عامًا، ولم يذعن نقطانب الثاني
للاحتلال الفارسي الجديد، وارتد سنة ٣٤١ق.م إلى النوبة تفاديًا مع الوقوع أسيرًا
في يد الفرس، ولم يُعرف ماذا كان مصيره.
وأسس
الفرس أسرة جديدة غاصبة. لم تذعن مصر للاحتلال الفارسي الجديد، بل تجددت فيها
الانتفاضات القومية.
إلى
أن جاء الإسكندر الأكبر سنة ٢٣٣ق.م يحارب الفرس، ويصادق المصريين.
ـــــــــــــــــــــــ
- وزنر Posner: التسلط
الفارسي الأول على مصر، ص. ب La Première Domination
Perse en Égypt
-
تاريخ مصر من أقدم العصور إلى الفتح
الفارسي – هنري برستد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق