السبت، 11 أبريل 2026

 

صَبِيحَةٌ مُبارَكَة
إخوَتِي أَخَوَاتِي

حين يأتي النصح من الولد

ومن حياة أمير المؤمنين هارون الرشيد نتعلم

النصح: إخلاص العمل عن شوائب الفساد. والنصح غالبا دون مقابل ولو أن النصيحة لها مقابل مادي قل الناصحون النُصْحُ مجّانٌ فمن شاء قبِل ... ومنْ أبَى لا شكَّ يَخْسَرْ ويَضِلّ

والناصِحُ: الخيّاط، وقميصٌ مَنْصُوحٌ: أي مَخيطٌ. نَصَحتُه أنصَحُه نَصْحاً منَ النِّصاحة . والنِّصاحة: السُلُوكُ التي يُخاطُ بها

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ الْعَابِدِ , يَقُولُ: " خَرَجْتُ يَوْمًا أَطْلُبُ رَجُلًا يَرُمُّ لِي شَيْئًا فِي الدَّارِ، فَذَهَبْتُ فَأُشِيرَ إِلَيَّ بِرَجُلٍ حَسِنِ الْوَجْهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مِرْوَزٌ وَزَنْبِيلٌ، فَقُلْتُ: أَتَعْمَلُ لِيَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ، فقلت: له قم، فقام فعمل ذلك اليوم عمل ثلاثة رجال، ثم أتيته في اليوم الثاني، فسألت عنه، فقيل لِي: ذَلِكَ الرَّجُلُ لَا يُرَى فِي الْجُمْعَةِ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا يَوْمُ كَذَا، فَتَرَبَّصْتُ حَتَّى أَتَى الْيَوْمُ الَّذِي وَصَفُوهُ، ثُمَّ جِئْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ مِرْوَزٌ وَزَنْبِيلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَعْمَلُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ، فقلت: قم، فقام فعمل ذلك اليوم عمل ثلاثة رجال، فلما كان بالمساء وزنت درهمين ودانقين وأحببت أَنْ أَعْلَمَ مَا عِنْدَهُ. قَالَ لِي: مَا هَذَا؟ قُلْتُ: دِرْهَمَانِ وَدَانِقَانِ. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ، قَدْ أَفْسَدْتَ عَلَيَّ أُجْرَتِي لَسْتُ آخِذًا مِنْكَ شَيْئًا، قَالَ: فَوَزَنْتُ لَهُ دِرْهَمًا وَدَانِقًا، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ وَأَلْحَحْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: سُبْحَانَ اللَّهِ أَقُولُ لَا آخُذُ وَتُلِحُّ عَلَيَّ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ وَمَضَى، فأقبلت على أهلي، فقالت: فعل الله بك ما أردت من الرجل قد عمل لك عمل ثلاثة أيام، وأفسدت عليه أجرته. قَالَ: فَجِئْتُ يَوْمًا أَسْأَلُ عَنْهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَرِيضٌ فَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى بَيْتِهِ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَبْطُونٌ فِي خَرِبَةٍ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ شَيْءٌ إِلَّا ذَلِكَ الْمِرْوَزُ وَالزِّنْبِيلُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ وَتَعْرِفُ فَضْلَ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَ إِلَى بَيْتِي أُمَرِّضُكَ، قَالَ: أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: آتِيكَ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَحَدُهَا أَنْ لَا تَعْرِضَ عَلَيَّ طَعَامًا حَتَّى أَسْأَلَكَ، قُلْتُ: نَعَمْ. وَالثَّانِيَةُ: إِذَا أَنْ تَدْفِنَنِي فِي كِسَائِي هَذَا وَجِبَّتِي هَذِهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَّا الثَّالِثَةُ فَهِيَ أَشَدُّ مِنْهُمَا، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْهَا، فَحَمَلْتُهُ إِلَى مَنْزِلِي عِنْدَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ مِنَ الْغَدِ نَادَانِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ قَالَ: الْآنَ أُخْبِرُكَ عَنْ حَاجَتِي الثَّالِثَةِ، وَإِنِّي قَدِ احْتَضَرْتُ يَعْنِي قَدْ حَضَرَتْ وَفَاتِي، ثُمّ قَالَ: افْتَحْ صُرَّةً عَلَى كُمِّ جَيْبِي فَفَتَحْتُهَا فَإِذَا فِيهَا خَاتَمٌ لَهُ فَصٌّ أَخْضَرُ، فَقَالَ لِي: إِذَا أَنَا مُتِّ وَدَفَنْتَنِي فَخُذْ هَذَا الْخَاتَمَ وَادْفَعْهُ إِلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ صَاحِبُ وَيْحَكَ هَذَا الْخَاتَمِ لَا تَمُوتَنَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى سَكْرَتِكَ نَدِمْتَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا دَفَنْتُهُ سَأَلْتُ عَنْ يَوْمِ خُرُوجِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَكَتَبْتُ لَهُ الْقِصَّةَ وَتَعَرَّضْتُ لَهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، وَتَأَذَّيْتُ أَذًى شَدِيدًا فَلَمَّا دَخَلَ الْقَصْرَ وَقَرَأَ الْقِصَّةَ قَالَ: عَلَيَّ بِصَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ، فَأَخْرَجْتُ الْخَاتَمَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا، فَقُلْتُ: دَفَعَهُ إِلَيَّ رَجُلٌ طَيَّانُ وَنَظَرْتُ إِلَى دُمُوعِهِ تَتَحَدَّرُ مِنْ عَيْنَيْهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَمِنْ لِحْيَتِهِ عَلَى ثِيَابِهِ وَيَقُولُ: طَيَّانٌ طَيَّانٌ وَقَرَّبَنِي مِنْهُ وَأَدْنَانِي، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ أَوْصَانِي أَيْضًا وَقَالَ: إِذَا أَوْصَلْتَ إِلَيْهِ الْخَاتَمَ قُلْ لَهُ: إِنَّهُ يُقْرِئُكَ صَاحِبُ هَذَا الْخَاتَمِ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ لَا تَمُوتَنَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ نَدِمْتَ، فَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَائِمًا، فَضَرَبَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْبِسَاطِ، وَهُوَ يَتَقَلَّبُ بِرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ نَصَحْتَ أَبَاكَ حَيًّا وَمَيِّتًا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَأَنَّهُ ابْنُهُ وَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، فَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا، ثُمَّ جَلَسَ وَجَاءُوا بِالْمَاءِ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ عَرَفْتَهُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: كَانَ هَذَا أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِي، فَكَانَ أَبِي الْمَهْدِيُّ ذَكَرَ لِي أَنْ يُزَوِّجَنِي زُبَيْدَةَ، فَنَظَرْتُ يَوْمًا إِلَى امْرَأَةٍ فَعَلِقَ قَلْبِي بِهَا، فَتَزَوَّجْتُهَا سِرًّا مِنْ أَبِي وَأَوْلَدْتُهَا هَذَا الْوَلَدَ فَأَنْفَذْتُهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَدَفَعْتُ إِلَيْهِمَا هَذَا الْخَاتَمَ وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً وَقُلْتُ لَهَا: اكْتُمِي نَفْسَكِ فَإِذَا بَلَغَكِ أَنِّي قَدْ قَعَدْتُ لِلْخِلَافَةِ فَأْتِنِي، فَلَمَّا قَعَدْتُ لِلْخِلَافَةِ سَأَلْتُ عَنْهُمَا فَذُكِرَ لِي أَنَّهُمَا مَاتَا، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ بَاقٍ فَأَيْنَ دَفَنْتَهُ؟ فَقُلْتُ: دَفَنْتُهُ فِي مَقَابِرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ . قَالَ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً إِذَا كَانَ بَعْدُ الْمَغْرِبِ وَقَفْتَ لِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ مُتَنَكِّرًا فَأَخْرُجُ إِلَى قَبْرِهِ، فَأَزُورَهُ، فَوَقَفْتُ لَهُ فَخَرَجَ الْخَدَمُ حَوْلَهُ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِي فَجِئْتُ بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، فَمَا زَالَ لَيْلَتَهُ يَبْكِي إِلَى الصُّبْحِ، وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ نَصَحْتَ أَبَاكَ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَجَعَلْتُ أَبْكِي لِبُكَائِهِ رِقَّةً مِنِّي لَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى إِذَا دَنَا إِلَى الْبَابِ فَقَالَ لِي: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرْتُ بِأَنْ تَجْرِيَ عَلَيْكَ فَإِذَا أَنَا مُتُّ أَوْصَيْتُ مَنْ يَلِي مِنْ بَعْدِي أَنْ يُجْرَى عَلَيْكَ مَا بَقِيَ لَكَ عَقِبِي، فَإِنَّ لَكَ عَلَيَّ حَقًّا بِدَفْنِكَ وَلَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْبَابَ قَالَ لِي: انْظُرْ إِلَى مَا أَوْصَيْتُكَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقُلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَرَجَعْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ .

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 616)

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق