الثلاثاء، 23 يونيو 2020

شيء مقرف

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

شيء مقرف

القرْف: مصدر قرفتُ. والقِرْفَة: التُّهمة. وَفرس مُقْرِف: خلاف الْعَتِيق من الخيل أو الهجين من الخيل ، ( الإكديش ) وقَالُوا: رجل مُقْرِف ، من انتسب للؤم في اَصْله، وكان هجيناً في أصله ، كالولد من أب عربي وأم أعجمية .والقِرْف من كل شَيْء: قِشره. وَوجه مقرف: غير حسن، قَالَ ذُو الرمة:

تريك سنة وَجه غير مقرفة ... ملساء لَيْسَ بهَا خَال وَلَا ندب

وعندنا في المعرة يقولون : هلأيام بتقرّفْ . ويقصدون بذلك أهل تلك الأيام .

ونسب لبشار بن برد قوله :

فسد الزمان وساد فيه المقرف ... وجرى مع الطرف الحمار الموكف

فدع التبحث عن أخيك فإنه ... كسبيكة الذهب الذي لا يكلف

ترى أنحن أم من سبقنا أحق في ذم المقرفون في هذا الزمان

قال رجل للأصمعي: فسد الزمان، فقال:

إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس

صور نراها لا ترضي خالقا ولا مخلوقا في أعلاه

وتصك أذنيك أشكالا من الذم ، وكل نصب نفسه قاضيا ليحكم على الناس وليته حكم على نفسه

العرب ما عاد فيهم خير ، ولو أنه عربي حقا ما قالها لأنه البِرْذَوْنُ و البِرْذَوْنُ غير الأصيل

وآخر يقول : وين أمة الإسلام . والجاهل يعلم أنها موجودة وباقية حتى قيام الساعة .

القضية هي التنصل من المسؤولية وإلقاء التهمة على الآخرين . وإن نظرت لأفعال هؤلاء وجدتهم فعلا قشور لا لب لهم

وصوليون . دمروا البلاد وأهلكوا العباد

يا رب ارفع عنا البلاء

يا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا

ـــــــــــــــــ

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء – الراغب الأصبهاني (2/ 406)

البصائر والذخائر – أبي حيّان التوحيدي(1/ 197)

 

الموكف : المعاب عليه

 


نتحلى بإظهار المودة ، ونمكر بظهر الغيب

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

نتحلى بإظهار المودة ، ونمكر بظهر الغيب

نفاق لا أكثر ، والنفاق له صورتان إظهار ما لا نبطن وهنا فمنافقي أهل المدينة المنورة أنموذج دال على إظهار الجميل المتمثل في الإسلام وإخفاء الكره ، والسعي من خلاله كسلوك يحكم حياة من نافق .

أما الصورة الأخرى للنفاق وهي الأقل ظهوراً كنفاق أبي العلاء غفر الله له . فقد ذكر بعض أهل العلم أنه أبطن اليقين وأظهر الشك .

ولكن هل ينفع النفاق صاحبه ؟ واقع الحال يدل على عكس لأن الحب والكره لا يجتمعا فإن قدر واجتمعا أذهب الكره الحب إلى درجة أن يقتله . ورحم الله شريحٌ القاضي حيث قال :

فإنَّي رَأَيْتُ الحُبَّ في القَلْبِ وَالأَسَى ... إذَا اجْتَمَعَا لَمْ يَلْبَثِ الحبُّ يَذْهَبُ

وأقصى ما ينال المنفاق المنفعة الآنية الزائلة . فهناك من يظهر بر أبوه ليقال عنه ( مرضي ) وأخرون حب وطنهم ليقال عنهم الأبرار . إلا أن فلتات حياتهم تظهر مذهبهم وهو أنهم في حلف واحد مع إبليس والنهاية إلى جنهم وساءت مصيرا . أنشد أبو سعيد الضرير لبعض الضّبّيين

ألا ربّ من يغتابني ودّ أنّني ... أبوه الذي يدعى إليه وينسب

فبالخير لا بالشرّ فاطلب مودّتي ... وأيّ امرىء يغتال منه التّرهّب

بشرى لمن نافق في بر والديه أو في محبته لأهل وطنه

بشرى لمن نافق فأظهر حبه وسعى لخرابه

جهنم تنتظركم فهنيئا لكم

يا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوحشيات = الحماسة الصغرى – حبيب بن أوس الطائي (ص: 185)

عيون الأخبار – ابن قتيبة الدينوري(2/ 21)

 

 


سيدا البحر المتوسط في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي عروج وأخيه خير الدين بارباوس

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

واستكمالا لما نشرته يوم الأحد / 8 / 10 / 1441 / هـ / 31 / 5 / 2020 م عن معاناة أهلنا في الأندلس

سيدا البحر المتوسط في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي

عروج وأخيه خير الدين بارباوس

يرجع أكثر المؤرخين أصل الأخوين المجاهدين خضر ولقبه خير الدين ولحيته شقراء أعطته لقب ( بارباروس) وعرف أيضاً بخير الدين البحري في المصادر العثمانية ، أما أخوه عروج الذي قتل سنة 924/هـ وكان قائد الحملات التي كان يشنها على الإسبان وكان أسبق من أخيه في العمليات العسكرية الموجه ضد الأسبان ولقد مارس الغزو والجهاد في البحر منذ حداثته ومعه أخوه الياس .

عروج

هو عروج بن يعقوب . كان لأبيه أربعة أبناء هم : إسحاق وعروج وخضر والياس ، وقد عملوا بالسفن التجارية وكان نشاطه وإخوته موجها ضد السفن المسيحية ، وفي خدمة الإسلام والمسلمين مارس الغزو والجهاد في البحر منذ حداثته ومعه أخوه الياس . وكان فرسان جزيرة (ردوس) يتعرضون للسفن الإسلامية ويمارسون أعمال السلب والنهب فتصدى لهم مع أخيه الياس في معركة استشهد فيها أخوه الياس وأسر وسجن في الجزيرة (ردوس) ، وتمكن من الهرب من سجنه والوصول إلى إيطاليا ومنها توجه إلى مصر وتمكن من مقابلة السلطان الغوري ، سلطان مصر وعرض عليه العمل عنده فسلمه سفينة وكان السلطان يقوم بإنشاء أسطول بحري ليرسله إلى الهند . جمع عروج في سفينته بحارة وأخذ يهاجم الجزر النصرانية ، وفي معركة جرت معهم تمكن من الاستيلاء على ثلاث سفن واتخذ (جربة) مركزا له وبدأ بممارسة الجهاد في المياه المغربية . وأخذ عروج يتعرض للسفن النصرانية ويتغلب عليها وشاعت بطولته وانتشر اسمه في سواحل شمال إفريقية وحصل على سمعة طيبة لنقله بين سنتي 1510 - 1504 م عددا كبيرا من الأندلسيين إلى شمال إفريقية . وفي عام 1516م استولى على الجزائر ثم استولى على (تلمسان) وهرب منها أبو حمو موسى الثالث ، ولما أخذ أبو زيان يتأمر عليه قتله ثم أعلن نفسه حاكما على البلاد . وفي عام 1518/م - 924/ هـ قتل في المعركة التي جرت بينه وبين الإسبان من أجل استرداد تلمسان وعمره يومئذ /55/ سنة ودعي أخوه خير الدين فحل محله حاكما على الجزائر

أما خضر ولقبه خير الدين ولحيته شقراء ( بارباروس) .هو أخو عروج الذي قتل سنة 924/هـ وكان قائد الحملات التي كان يشنها على الإسبان فاستلم القيادة بعد وفاته. وفي سنة 927/هـ (1520/م) هزم الجيش الإسباني الذي حاول الاستيلاء على الجزائر . وفي سنة 937/هـ (1531/م) استولى على تونس ولجأ ملكها محمد الحسن الحفصي إلى الإسبان بطلب حماية الملك شارل الخامس (شارلكان) فجهز الملك الإسباني حملة بحرية أخرجت خير الدين من تونس وأعادت محمد بن الحسن الحفصي إلى ملكه بعد أن قيدته بوجائب مذلة ومرهقة. وفي عام 947/هـ (1541/م) ينتفض أحمد بن الحسن الحفصي ويخلعه ويستولي على الحكم . وفي 950/هـ (1544/م) تعلن إسبانيا الحرب على فرانسا فيستنجد فرانسوا الأول ملك فرانسا بالسلطان سليمان القانوني فينجده بأسطول بحري يقوده خير الدين بارباروس ويخوض مع الإسبان معارك حربية يفوز بها عليهم ويسترد منهم مدينة (نابولي) . وأعدّ ستاً وثلاثين سفينة نقل بها، خلال سبع رحلات، سبعين ألف مسلم من السواحل الإسبانية إلى الجزائر وجعلها قاعدة لصد الهجوم الإسباني. وأنزل بالأسطول الإسباني هزائم وجعل المتوسط الشرقي بحيرة عثمانية. منحه السلطان العثماني لقب (بكلر بك) أي القائد العام. وتوفي في استانبول بعد عودته من مؤازرة ملك فرانسا ضد ملك إسبانيا وتوفي في قصر له لى البوسفور وله من العمر / 65/ سنة وخلفه في الجزائر ابنه حسن باشا.
جند أولاد يعقوب حياة لمواجهة الغزو الفرنجي للسواحل العربية وفي إحدى المعارك ضد فرسان جزيرة (ردوس) الذين كانوا يتعرضون للسفن الإسلامية ويمارسون أعمال السلب والنهب فتصدى لهم مع أخيه الياس في معركة استشهد فيها أخوه الياس وأسر عروج وسجن في
جزيرة (ردوس) ، ثم تمكن من الهرب من سجنه والوصول إلى إيطاليا ومنها توجه إلى مصر وتمكن من مقابلة السلطان قانصوه الغوري ، سلطان مصر وعرض عليه العمل عنده ، فسلمه سفينة وكان السلطان يقوم بإنشاء أسطول بحري ليرسله إلى الهند . جمع عروج في سفينته مجموعة من البحارة وأخذ يهاجم الجزر الفرنجية ، ومن خلال العديد من المعارك تمكن من الاستيلاء على ثلاث سفن حربية اتخذ بعد ذلك (جربة) مركزا له وبدأ بممارسة الجهاد في المياه المغربية . وأخذ عروج يتعرض للسفن الفرنجية ويتغلب عليها وشاعت بطولته وانتشر اسمه في سواحل شمال إفريقية وحصل على سمعة طيبة لنقله بين سنتي1510 - 1504 م عددا كبيرا من الأندلسيين إلى شمال إفريقية ثم استلم خير الدين القيادة بعد وفاته وبالنسب لأصلهم من الأتراك المسلمين ووالدهما أيضاً يعقوب بن يوسف من بقايا الفاتحين المسلمين الأتراك للأندلس الذين استقروا في جزيرة مدللي إحدى جزر الأرخبيل . وأمهم سيدة مسلمة أندلسية كان لها الأثر على أولادها في تحويل نشاطهم شطر بلاد الأندلس التي كانت تئن في ذلك الوقت من بطش الأسبان والبرتغاليين.

والواقع يؤكد أن كل ما ذكر عن الدور الذي لعباه الأخوان يؤكد حرصهما على الجهاد في سبيل الله ومقاومة أطماع أسبانيا والبرتغال في الممالك الإسلامية في شمالي أفريقيا ، لقد أبدع الأخوان خير الدين برباروس وأخيه عروج في الجهاد البحري ضد الفرنجة وأصبح لحركة الجهاد البحري في القرن السادس عشر مراكز مهمة في شرشال ووهران والجزائر ودلي وبجاية وغيرها في أعقاب طرد العرب المسلمين من الأندلس ، وقد قويت بفعل انضمام المسلمين الفارين من الأندلس والعارفين بالملاحة وفنونها والمدربين على صناعة السفن. وقد أطلق  الأوربيون اسم القرصنة على كل هذه العمليات التي أصبحت معروفة ومنتشرة في البحر المتوسط مازجين في ذلك كل العمليات التي كانت ذات بنية عسكرية جهادية والعمليات الأخرى وهي عمليات السلب والنهب وهي التي مارسها أوربيون وغير أوربيين كذلك مارستها الدول كأسبانية والبرتغال وامتدت حتى البحر العربي والخليج العربي أيضا وهذا ما دفع العثمانيين لتسريع التوجه إلى هذه المناطق الإسلامية للدفاع عنها ضد الطامعين الجدد وحماية السواحل الإسلامية لكن التحول الذي جرى في العمليات العسكرية في البحر المتوسط ضد الأسبان والبرتغاليين كان نتيجة  لدور الأخوين ومن خلال تنظيم هذه العمليات وقيادتها حيث استطاعا تجميع القوات الإسلامية في الجزائر وتوجيها نحو الهدف المشترك لصد أعداء العرب والإسلام عن التوسع في موانئ ومدن الشمال الأفريقي . وقد اعتمدت هذه القوة الإسلامية الجديدة في جهادها أسلوب الكر و الفر في البحر بسبب عدم قدرتها في الدخول في حرب نظامية ضد القوى المسيحية من الأسبان والبرتغاليين وفرسان القديس يوحنا ، وقد حقق هؤلاء المجاهدين نجاحاً أثار قلق القوى المعادية ، ثم رأى الأخوان بنظرهم الثاقب أن يدخلوا تحت سيادة الدولة العثمانية لتوحيد جهود العرب والمسلمين ضد الفرنجة الحاقدين. يؤكد المؤرخون اتجاه الأخوان عروج وخير الدين إلى الجهاد البحري منذ الصغر ، حيث كان نشاطهما في البداية موجه إلى بحر الأرخبيل المحيط بمسقط رأسهما حوالي سنة 1510م ، لكن ضراوة الصراع بين القوى الإفرنجية في بلاد الأندلس وفي شمالي أفريقيا وبين المسلمين هناك ، والذي اشتد ضراوة في مطلع القرن السادس عشر ، قد استقطب الأخوين لينقلا نشاطهما إلى مناطق أخرى وهي سواحل المغرب العربي الشمالية وبخاصة بعد أن تمكن الأسبان والبرتغاليون من الاستيلاء على العديد من هذه المراكز والموانئ البحرية في شمالي أفريقيا . وقد حقق الأخوان العديد من الانتصارات على القراصنة المسيحيين الأمر الذي أثار إعجاب القوى الإسلامية الضعيفة في هذه المناطق ، لذلك نرى أن السلطان "الحفصي" محمد الحسن منح لهم حق الاستقرار في جزيرة جربة التونسية لكن الأسبان لم يرق لهم ذلك فقاموا بهجموم أسباني متواصل اضطر السلطان لقبول الحماية الأسبانية بالضغط والقوة ، وما يلفت النظر استنجاد أهالي هذه البلاد بهما ضد الأسبان ، وهو دليل على حب أهل البلاد لهم وثقتهم بهم من خلال الأثر الذي تركته أعمالهم الجهادية ، مما أسهم في وجود قاعدة شعبية لهما مكنتهما من حكم الجزائر وبعض المناطق المجاورة. ويرى بعض المؤرخين أن دخول "عروج" وأخيه الجزائر . يعود للتحالف بين الجانبين سنة 1514م أعقاب فتح عروج وخير لميناء "جيجل" حيث أرسل الأخوان إلى السلطان سليم الأول مجموعة من النفائس التي استوليا عليها بعد فتح المدينة ، فقبلها السلطان ورد لهما الهدية بإرسال أربع عشر سفينة حربية مجهزة بالعتاد والجنود ، وكان هذا الرد من السلطان العثماني يعكس رغبته في استمرار نشاط دور الأخوين ودعمه لهم .

استنجاد أهل الجزائر بالسلطان العثماني

لقد قام الأستاذ الدكتور عبد الجليل التميمي بترجمة وثيقة تركية محفوظة في دار المحفوظات التاريخية باستنبول

– طوب قابي سيراىتحت رقم 4656 ، وهذه الوثيقة عبارة عن رسالة موجهة من سكان بلدة الجزائر على اختلاف مستوياتهم ومؤرخة في أوائل شهر ذي القعدة عام 925م ، في الفترة من 26 من شهر أكتوبر تشرين الأول إلى 3 من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1519م ، وكتبت بأمر من خير الدين إلى السلطان سليم بعد عودته من مصر والشام إلى استانبول ، وكان الغرض من تلك الرسالة ربط الجزائر بالدولة العثمانية ، وجاء في الرسالة أن خير الدين كان شديد الرغبة في أن يذهب بنفسه إلى استانبول ليعرض على السلطان سليم الأول شخصياً أبعاد قضية الجزائر ، ولكن زعماء مدينة الجزائر توسلوا إليه أن يبقى فيها كي يستطيع مواجهة الأعداء إذا تحركوا ، وطلبوا منه أن يرسل سفارة تقوم بالنيابة عنه ، سارع السلطان سليم إلى منح رتبة بكلر بك إلى خير الدين بربروس وأصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة في إقليمه ممثلاً للسلطان وبذلك أصبحت الجزائر تحت حكم الدولة العثمانية وأصبح أي اعتداء خارجي على أراضيها يعتبر اعتداء على الدولة العثمانية ، لقد استجاب السلطان العثماني سليم لنداء الجهاد من أخوة الدين ، وشرعت الدولة العثمانية في إنشاء أسطول ثابت لهم في شواطئ شمال أفريقيا والذي ارتبط منذ البداية باسم الأخوين عروج وخير الدين بربروسة وكانت على خير العمل على جبهتين خارجية ضد الغاوين الأوروبيين وداخلية بغية توحيد المغرب . لقد نجح خير الدين في وضع دعامات قوية لدولة فتية في الجزائر وكانت المساعدات العثمانية تصله باستمرار من السلطان سليمان القانوني واستطاع خير الدين أن يوجه ضرباته القوية للسواحل الأسبانية وكانت جهوده مثمرة في إنقاذ آلاف المسلمين من أسبانيا ، فقد قام عام 936هـ/1529م بتوجيه ست وثلاثون سفينة خلال سبع رحلات إلى السواحل الأسبانية في الحوض الغربي للبحر المتوسط . وكانت أسبانيا يتزعمها شارل الخامس إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة والتي كانت تضم وقتذاك أسبانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وكانت الدولة الرومانية المقدسة تدافع عن أوربا المسيحية الخطر العثماني نحو شرق ووسط أوربا ، لذا يمكن القول بأن الصراع بين شارل الخامس وبين ببليربكية والجزائر كان بمثابة فتح جبهة حربية جديدة ضد الدولة العثمانية في الشمال الإفريقي ، لذلك لم يكتف شارل بالهجوم المفاجئ على سواحل الجزائر ، بل أرسل مبعوثاً للتجسس في شمال أفريقيا سنة 940 هـ 1533 م وهو الضابط (أوشوا دوسلا) الذي طاف بأنحاء تونس ، وهناك وجد استعداد الحفصيين للتعاون مع شارل الخامس ، وحذر من امتداد النفوذ العثماني على تونس ، وذكر أن هذا الاستيلاء سيسهل على العثمانيين السيطرة على أفريقيا ، ثم يتجهون بعد ذلك لاسترداد الأندلس ، وهذا ما يخشاه العالم المسيحي.


لمحات من معاناة أهل الأندلس

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
لمحات من معاناة أهل الأندلس
إن دراسة التاريخ العربي الإسلامي تثير إعجاب الدارس لدرجة أنها تثير الاستغراب والدهشة بالنسبة لكل حيثياته ، وهي صفة لا نجدها إطلاقاً في تاريخ الأمم عبر التاريخ ، إنها صفة إعجاز فيه له وليست لغيره ، فأنت عندما تدرس تاريخ أي أمة من الأمم دراسة وعلى درجة عالية من الموضوعية تلاحظ التشابه فيما تدرس فالحياة الإنسانية مهما تنوعت فعناصر التشابه موجودة بين البشر ، وهذا أمر لا يثير الاستغراب و يتوضح بجلاء في ثوابت أسس قيام الحضارة الإنسانية أي كانت أو زوالها ، فالحضارات الإنسانية عبر التاريخ الإنساني قامت ثم زالت زوالاً لم يبق منها إلا آثارها في البناء والعلوم أما ما يميز الحضارة العربية الإسلامية فهو البقاء والديمومة وذلك يشمل آثارها وأصحابها على الرغم من أن الكوارث التي تعرضت كانت كافية للقضاء عليها ومحو آثارها ، ومما يزيد الأمر استغرابا ودهشة تتابع هذه الكوارث وبقاء هذه الحضارة والأمثلة ليست بخافية على أحد ، فالكوارث الداخلية ثم الغزو التدميري الخارجي كالغزو الفرنجي الذي لم يكد يتخلص منه حتى كانت كارثة التتار والغزوات الصليبية الجديدة كل هذه الكوارث وغيرها نضيف إليها أهدافها المشتركة للقضاء وبلا هوادة على العرب والمسلمين وحضارتهم إلى درجة الإبادة بل سحقها لو استطاعوا0
 ومع ذلك فتاريخنا لازال يتدفق وكأنه نهر كأضخم نهر عرفته الإنسانية لم يهرم ولن يعرف الهرم ولم يعكر نقاء مائه إلا فترات يقوم أصحابه هم أنفسهم بتعكير صفوه ولكنهم وفجأة يصحون فتراهم يحجمون عن سوء أفعالهم ليعود النهر لصفائه ونقاوته ، فالخلاف بين سيدنا علي وسيدنا معاوية رضي الله عنهما كاد أن يودي بالأمة فكان الحسين رضي الله عنه بقعة الضوء فيها وعادة وحدة الأمة إلى سابق عهدها وكذلك كان عبد الرحمن الداخل والمنصور ابن أبي عامر وعماد الدين الزنكي وابنه نور الدين وغيرهم بقع ضوء في هذا التاريخ وذلك حينما ييأس الناس من واقع ويصلون إلى درجة يظنون فيها أن هذه الكارثة هي النهاية حينها يأتي نصر الله متمثلاً في بقع ضوء تبدو صغيرة وقد لا يكترث بها تعيد للأمة قوتها وحيويتها وتثبت للدنيا بأن هذه الأمة وهذا التاريخ باق حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وكذلك لقد كان دعم الدولة العثمانية وما قدمته بقعة ضوء في تاريخ هذه الأمة فكان دعمها لخير الدين بربروس وأخيه عروج اللذين مثّلا أوسع بقعة للضوء فوق مياه البحر المتوسط في العقد الأول وحتى منتصف القرن السادس عشر الميلادي ، ليمثل جهادهما علامة فارقة لجهاد العرب والمسلمين في وجه أعداء الأمة والراغبين في زوالها نعم لقد أثبت هذان الأخوان وأمثالهما من المجاهدين أن هذه الأمة هم أمة السلم وهي أمة الجهاد لإحقاق الحق ودفع الظلم وهذه الثوابت وتلك الصفات هي صفات أمة حق لها أن لا تعرف الزوال وأن لا تعرف الموت بل لا يريد الله لها أن تموت 0
كان من آثار التهجير الجماعي للعرب والمسلمين من الأندلس ونزوح أعداد كبيرة منهم إلى الشمال الأفريقي والأفعال غير الإنسانية التي فعلها من قام بإخراج العرب المسلمين من الأندلس إلى أن وصل الحد محاسبة الأندلسيين على أسلوب تكفين موتاهم وحتى لون الكفن يجب أن لا يكون أبيضاً وإلا تعرض أهل الميت كلهم للموت مع التمثيل بهم قبل موتهم ، والأرقام المسجلة بين سنة 1609 – و – 1611 م لأمثال هذه الحالات في الوثائق الرسمية الأسبانية بلغت 50000 ألف إنسان ، وهذا التهجير أدى إلى حدوث العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في ولايات الشمال الأفريقي 0وكان النازحون يمثلون كل أشكال المجتمع الاندلسي ومنهم أعداد وفيرة من البحارة ، الذين بدؤوا البحث عن الوسائل الملائمة لاستقرارهم ، إلا أن بعض العوامل التي توفرت دفعت بأعداد من هؤلاء البحارة إلى طريق الجهاد ضد القوى الفرنجية في البحر المتوسط ، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب الدافع الديني بسبب الصراع الذي جرى في الأندلس وأدى إلى إخراج العرب والمسلمين منها ومتابعة الأسبان والبرتغال للمسلمين في الشمال والأفريقي 0وقد ظلت حركات الجهاد الإسلامي ضد الأسبان والبرتغاليين غير منظمة حتى ظهور الأخوان خير الدين وعروج بربروس اللذين استطاعا تجميع القوات الإسلامية في الجزائر وتوجيهها نحو الهدف المشترك لصد أعداء العرب والإسلام عن التوسع في موانئ ومدن الشمال الأفريقي . وقد اعتمدت هذه القوة الإسلامية الجديدة في جهادها أسلوب الكر و الفر في البحر بسبب عدم قدرتها في الدخول في حرب نظامية ضد القوى الفرنجية من الإسبان والبرتغاليين وفرسان القديس يوحنا ، وقد حقق هؤلاء المجاهدين نجاحاً أثار قلق القوى المعادية ، ثم رأى الأخوان بنظر ثاقب أن يدخلوا تحت سيادة الدولة العثمانية لتوحيد جهود العرب المسلمين ضد القوى الحاقدة. وقد حاول المؤرخون الأوروبيون التشكيك في طبيعة الحركة الجهادية في البحر المتوسط ووصفوا دورها بالقرصنة وكذلك شككوا في أصل أهم قادتها وهما خير الدين وأخوه عروج الأمر الذي يفرض ضرورة إلقاء الضوء على دور الأخوين وأصلهما ، وأثر هذه الحركة على الدور الفرنجي في البحر المتوسط في زمن السلطان سليم والسلطان سليمان القانوني عام 926 هـ (1520 م).
قل ما شئت عما نحن فيه من بلاء .إلا أننا واثقون بأن الله القادر على رد الأمن والأمان لسوريا وأهل سوريا
يا رب فرج عن سوريا وأهلها


حين نسمع صوت العقل فننشد الحق ونصد وجوهنا عن الباطل

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

حين نسمع صوت العقل فننشد الحق ونصد وجوهنا عن الباطل

هل تعرفون عبد الله بن الزِبَعرى؟ ومن السيرة النبوية الشريفة نتعلم

هناك من هو كأبي جهل والوليد بن المغيرة عرفا الحق ، وكانا يعلمان أن القرآن كلام الله . حتى نزل القرآن في أحدهما قال الله تعالى عن الوليد : {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وعلل السبب بـ {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ.

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى شاعر قريش ، جند قسطا هام من حياته يهجو فيها المسلمين حيث لم يترك مناسبة بين قريش والمسلمين إلا قال فيها شعراً ومن ذلك قوله في غزوة أحد وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ بَعْدُ:

يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسْمَعْتَ فَقُلْ * إِنَّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ

إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى * وَكِلَا ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ

وَالْعَطِيَّاتُ خِسَاسٌ بَيْنَهُمْ * وَسَوَاءٌ قَبْرُ مُثْرٍ ومقل

كُلُّ عَيْشٍ وَنَعِيمٍ زَائِلٌ * وَبَنَاتُ الدَّهْرِ يَلْعَبْنَ بكل

أبلغا حَسَّانَ عَنِّي آيَةً * فَقَرِيضُ الشِّعْرِ يَشْفِي ذَا الْغُلَلْ

كَمْ تَرَى بِالْجَرِّ مِنْ جُمْجُمَةٍ * وَأَكُفٍّ قَدْ أُتِرَّتْ وَرَجَلْ

وَسَرَابِيلَ حِسَانٍ سُرِيَتْ * عَنْ كُمَاةٍ أُهْلِكُوا فِي الْمُنْتَزَلْ

كَمْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ سَيِّدٍ * مَاجِدِ الْجَدَّيْنِ مِقْدَامٍ بَطَلْ

فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

ذَهَبَتْ بِابْنِ الزِّبَعْرَى وَقْعَةٌ * كَانَ مِنَّا الْفَضْلُ فِيهَا لَوْ عَدَلْ

وَلَقَدْ نِلْتُمْ وَنِلْنَا مِنْكُمُ * وَكَذَاكَ الْحَرْبُ أَحْيَانًا دُول ن

نَضَعُ الْأَسْيَافَ فِي أَكْتَافِكُمْ * حَيْثُ نَهْوَى عِلَلًا بَعْدَ نَهَلْ

نُخْرِجُ الْأَصْبَحَ مِنْ أَسْتَاهِكُمْ * كَسُلَاحِ النِّيب يَأْكُلْنَ الْعَصَلْ

إِذْ تُوَلُّونَ عَلَى أَعْقَابِكُمْ * هَرَبًا فِي الشِّعْبِ أَشْبَاهَ الرِسَل

وتفتح مكة ويهرب عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى إلى نجران خوفا من رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ: رَمَى حَسَّانُ بْنُ الزِّبَعْرَى وَهُوَ بِنَجْرَانَ بِبَيْتِ وَاحِدٍ مَا زَادَهُ عَلَيْهِ:

لَا تعد من رجلا أخلّك بُغْضُهُ ... نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذَّ لَئِيمِ

أعاده هذا البيت للحق ، فجاء عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى مسلما معتذرا لرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنا بور

إذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَيِّ ... وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ

آمَنَ اللَّحْمُ وَالْعِظَامُ لِرَبِّي ... ثُمَّ قَلْبِي الشَّهِيدُ أَنْتَ النَّذِيرُ

إنَّنِي عَنْكَ زَاجِرٌ ثَمَّ حَيَّا ... مِنْ لُؤَيٍّ وَكُلُّهُمْ مَغْرُورُ

أين هم من ادعى العقل وأظهر الحب لوطنه وبلده ؟ ليؤوب للحق

هناك من فكر وقدر فكان كأبي جهل والوليد ؟ فدمر وخرّب

قاتل الله من كان سببا في هذا البلاء الذي نحن فيه .

ويا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا

ــــــــــ

سيرة ابن هشام (2/ 418)

تفسير ابن كثير (8/ 266)

البداية والنهاية (4/ 353)

 

عبد الله بن الزبعرى ? توفي - 15 هـ / ? - 636 م

شاعر قريش في الجاهلية، وكان شديداً على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران، فقال حسان فيه أبياتاً، فلما بلغته عاد إلى مكة فأسلم واعتذر ومدح النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بحلة.

وقد سجل في شعره حادثة الفيل وحرمة مكة ومنعتها وتحدث عن حرب الفجار وبلاء بني المغيرة فيها،

ومن الأحداث التي أثرت في نفسه وسجلها في شعره أن أناساً من قصي دخلوا دار الندوة لبعض أمره فأراد عبد الله أن يدخل معهم فيسمع مشورتهم فمنعوه فكتب شعراً في باب الندوة.

فلما أصبح الناس وقرؤوا شعره أنكروه و قالوا  (ما قالها إلا ابن الزبعرى) فضربوه وحلقوا شعره وربطوه إلى صخرة بالحجون حتى أطلقه بنو عبد مناف.

 

أخَلَّكَ  : يُقالُ: ما أخَلَّكَ إلى هذا، أي: ما أحْوجَكَ

المثبور : الهالك


الشيخ محمد النفوس أحب القرآن عاش بالقرآن وللقرآن

الشيخ محمد النفوس

أحب القرآن عاش بالقرآن وللقرآن

الشيخ محمد النفوس

أحب القرآن عاش بالقرآن وللقرآن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين أنزل القرآن ورَفعَ من أحبه وأزل من جافاه والصلاة والسلام على من بلغنا القرآن ليكون حجة لنا ودستورا وبعد فهي كلمات في فضل رجل كان الأول في حفظه وإتقانه لكتاب الله حتى وفاته في نهاية القرن الرابع عشر للهجرة النبوية الشريفة ، ولكنه كان الأخير فيمن امتلك حجة نسب في أخذ القرآن موصولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه .سألته مراراً هل تذكر لنا أسماء من أخذت عنهم القرآن فكان يعيد أسمائهم حتى يأتي إلى ذكر النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام ، لتقرأ في وجهه سعادة لن تجدها إلا عند أهل القرآن أنفسهم ، ولست أذكر وبكل الأسف سوى اسم رجل منهم وهو الشيخ إسماعيل الشردوب يرحمه الله تعالى وهو من أخذ منه الشيخ محمد مباشرة ولد الشيخ محمد النفوس في مدينة شاء الله إلا أن يكون لها حظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان حمل بن سعدانة وهو رجل من بني عليم أحد الوافدين على النبي فشرف برؤية النبي وإتباعه 0 مدينة أفرزت من العلماء والفقهاء والأدباء ما فاق في تقديري حجمها المكاني والزماني إلا أن الحركة العلمية فيها ومنذ القرنين الماضيين لم تعد كحالها بل تراجعت كثيرا لأسباب نسأل الله زوالها ، لتعود بالعلم أكثر رواجا كما كانت في ماضيها 0 في أحياء مدينة معرة النعمان بن بشير الأنصاري عاش الشيخ محمد النفوس وفيها كانت ولادته في شهر محرم من عام ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف هجرية ، الموافق لشهر نيسان من سنة ثلاثة وثلاثين وتسعمائة وألف 0 من عائلة كريمة في الحي الغربي منها 0 وكانت ولادته أيام كانت الإصابة بداء الجدري حينها تعني الموت المؤكد الا من قدر الله نجاته ، ترك المرض بصمته أثراً على شكل ندب تشوه الوجه وقد يمتد ذلك حتى الكفين إلا أن أشد الآثار ضرراً كانتً تقع على العينين وربما أدى ذلك للعمى كما حدث لأبي العلاء المعري في صغره وهو أيضاً ما حدث للشيخ ، وفي نفس السن تقريباً 0 ففقد عينيه وكأنما هما مسحتا تماما 0 سألته مرة يرحمه الله تعالى كم كان عمرك يا سيدي وقتها فقال كنت في الرابعة أو الخامسة من عمري 0 ثم قلت وهل تذكر من الألوان شيئا فقال : لازال في ذاكرتي لونان الأحمر والأخضر ولا بد أن المصاب كان جللا بالنسبة لعائلة الشيخ ، إلا أنها لم تكن لتعلم بالذي خبأه الغيب لهذا الطفل من خير 0 حيث وهبه الباري عز وجل ، قدراً عالياً من الذكاء تجده في ذات الشيخ وسلوكه حتى أنه نافس المبصرين بأعينهم ، ببصيرة وهبه الله إياها ومكنه منها0 وأنا لازلت أذكر وقد تجاوزت العاشرة من عمري ، أذكره وفي المسجد كنا نتعلم فيه القرآن 0 يتصرف كمن لم يحرم البصر قط 0 نعم يتحرك ضمن المسجد وخارجه بحرية المبصرين ، يتحرى خلالها الساعة بدقة ليضبط الوقت ويتهيأ بالوضوء للأذان فصلاة الظهر بمسجده في الحي الغربي البعيد قليلاً عن المسجد الذي يقرؤنا فيه 0 حيث تنتهي دروس حفظ القرآن ويتجه الشيخ لكي يؤم في مسجده 0 فلم تكن الصلاة لتقام في المسجد حيث كنا 0 ففتح المسجد وإغلاقه وقضاء حوائجه من خلاله 0كل ذلك يؤديه دون حاجة لأحد منا وحتى ملء دلو الماء للوضوء من البئر 0 إلا أنك ترى الناس يتسابقون لمصاحبته في أي اتجاه يريد 0 ويبقى العجب ينتابك حين تراه وحيدا يحدد اتجاه المكان الذي يريده ويتجه إليه0 أقصد الأمكنة التي يتردد إليها ، وكأنني أراه الآن وهو قادم ليقف تماما أمام دكان والدي ثم يناديني يا هشام 0 كي أساعده في ارتقاء الرصيف والدخول للمحل 0 ولقد كنت ملحاحاً في السؤال عن طريف ما كان يحصل معه ولا سيما في صغره فإن وجد فرصة حدثني : قال : دعيت لعشاء عند آل الذكرى فذهبت وأحسن استقبالي ، وعند وصولي للغرفة حيث هيئ للعشاء سمعت صوتا من الداخل ! قفوا والله والله لن تدخل يا شيخ حتى تسمي الحاضرين وتحدد أماكن جلوسهم ، أو فوالله سترفع على رجليك بالعصا ، وقبض علي ثلاثة من الشباب عند عتبة البيت ، قلت خلوا عني فالأمر جِدُّ بسيط وبدأت باليمين أسمي الرجل وأكنيه حتى انتهيت منهم جميعاً لم أخطئ بتسمية أحداً منهم 0 إلا أن الأمر لم ينته عند ذلك فعاد القسم مرة من نفس الرجل وقال أنت عرفتهم من أصواتهم وحددت مواقعهم بناءً على ذلك 0 إذن لن تغادر العتبة حتى تسمي أنواع الطعام كلها وحتى ما وضع من حلو وفواكه ، فبدأت أعدُ ما وضع من طعام حتى انتهيت ولم أنس شيئاً أثار ذلك العجب عندهم مع أنهم يعرفونني 0 فقال : أحد الحضور نسألك بالله يا شيخ إلا دللتنا على سر معرفتك ، فالأمر فوق معرفة الأصوات أو معرفة الطعام من خلال رائحته 0 قال الشيخ : ليس الأمر بمستغرباً وشيخي الشيخ إسماعيل الشردوب - وهو من أخذت عنه القرآن- موجود فهو من أخبرني بما سمعتم ! قيل : وكيف وهو لم يتكلم بكلمة قال : إلا أن المِعْلَقَة التي كانت بيده نطقت بما أريده ثم توجه إلي وقال : يا ولدي لقد علمني الشيخ إسماعيل القرآن ، وعلمني معه أشياء منها لغة صوتية أتقنتها فكان إذا رغب إلي بشيء - وهو كفيف أيضاً – استخدم يده بالنقر الخفيف على الجدار أو الأرض أو 00أو 00 دون أن ينطق بكلمة فأعلم ما يريد 0 نعم يا ولدي لقد أحسن إلي والدي بأن أرسلني إليه ومن نعومة أظفري فلم أغادره حتى أتقنت ما عنده من كتاب الله ، كما علمني تجليد الكتب حتى أتقنتها كمهنة أسترزق منها ثم أصبحت إمام لأحد المساجد في الحي الذي أسكنه 0 ولقد كان علماء المعرة ولا سيما شيخها الشيخ أحمد الحصري رحمه الله تعالى يهابه في خطبة الجمعة فهو غير متسامح وإلى أقصى درجة في أي هفوة يمكن أن يقع فيها القارئ لكتاب الله وكان الإشعار هز المنبر تنبيها للخطأ وأشهد الله تعالى لقد حفظ الشيخ القرآن كما لم يحفظه أصحاب العيون المبصرون – مرات ومرات كان يأتينا الرجل من أبناء الحي ونحن نقرأ فيقول يا شيخ : ويحدد كلمة من القرآن الكريم ويسأله في سورة هي 0 فيتلو الشيخ الآية المقصودة ويتابع ( وينا ياشيخي بدي شفوا ) عندها وبشكل عفوي ينادي علينا ويقول يا هشام يا عكل أو يا ..  هات المصحف من يدك ويفتحه يقلب أوراقه ويخاطب أحدنا ( هاي سورة كذا 00 فقد تكون هي وقد نقول قبل صفحات  ليحدد بعد الآية قائلا : شوفا مخاطباً أحدنا : هي في الصحفة التي على اليمين وسط الصفحة .. عانى رحمه الله من المرض وحتى في آخر أيامه كان القرآن ذاكرته التي لم تغادره . في مشفى المواساة وكان في شبه غيبوبة أمال رأسه دون الوسادة وهي عادة كان يفعلها حين يبحث عن أي أية في كتاب الله ثم خاطب الحاضرين مين منكم كان يقرأ القرآن فأجيب لا أحد . قال : لا هناك من كان يقرأ ويخطئ . خرج أحد الحضور وإذ بطالب جامعي من قسم اللغة العربية .يقرأ آيات من القرآن غيبا . خارج غرفة الشيخ نودي الطالب وقيل له أعد على الشيخ ما قرأت . فقرأ ، وعندها صحح له الشيخ آية أخطأ به .

رحمك الله يا شيخنا

كان رحمه الله يمس أفواهنا ليدرك صحة خروج الحرف العربي منها وعلى سبيل المثال كان يقول لنا أبعد شفتيك ما أمكن للداخل حتى تحسن خروج هذا الحرف .

أشعر وما زلت أني مدين لهذا الرجل حين أقرأ كتاب الله

ولو شئت لحدثتكم عن غرائب لها دلالة على حدة ذكائه

رحمك الله يا شيخي ومعلمي

 


مللت فأنا لا أشتهي أن أسمع

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

مللت فأنا لا أشتهي أن أسمع

فإذا لم يكن المستمع أحرص على الاستماع من القائل على القول، فكيف يمكن له أن يبلغ القائل في منطقة أو يرتقي لفهمه ، وكيف له أن يتفاعل مع ما يقول . ثم كيف له أن يدرك الخلل في قوله ، إن كان استماعه اتصف باللامبالاة .

وتتزايد المشكلة حين  لا تشتهي أن تسكت أنت ، وأنا لا أشتهي أن أسمع. وهنا وحتى البلاغة تقف على رفعة منزلتها عاجزة محتارة . ومن المعلوم أن إدراك الكلمة يفيد في الحكم على المتكلم . قيل : وسمع أعرابي رجلا يقرأ سورة براءة فقال: ينبغي أن يكون هذا آخر القرآن. قيل له: ولم؟ قال: رأيت عهودا تنبذ.

فكيف بمن نبذ العهد وأخلف المودة أن يقبل عليك فيسمعك . سماع يدرك فيه ما ترمي وما تريد

قد يكون من أهلك وقد يكون من أصدقائك إن خاطبته بالسلام ، رد عليك بقول : يعني عبتسبني

ورحم الله أبو ذؤيب الهذلي حيث قال :

أَمِنَ المَنونِ وَريبِها تَتَوَجَّعُ  .. وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ

قالَت أُمَيمَةُ ما لِجِسمِكَ شاحِباً .. مُنذُ اِبتَذَلتَ وَمِثلُ مالِكَ يَنفَعُ

أَم ما لِجَنبِكَ لا يُلائِمُ مَضجَعاً .. إِلّا أَقَضَّ عَلَيكَ ذاكَ المَضجَعُ

فَأَجَبتُها أَن ما لِجِسمِيَ أَنَّهُ .. أَودى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعوا

أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غُصَّةً .. بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ

سَبَقوا هَوَىَّ وَأَعنَقوا لِهَواهُمُ .. فَتُخُرِّموا وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ

فَغَبَرتُ بَعدَهُمُ بِعَيشٍ ناصِبٍ .. وَإَخالُ أَنّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ

وَلَقَد حَرِصتُ بِأَن أُدافِعَ عَنهُمُ .. فَإِذا المَنِيِّةُ أَقبَلَت لا تُدفَعُ

حَتّى كَأَنّي لِلحَوادِثِ مَروَةٌ .. بِصَفا المُشَرَّقِ كُلَّ يَومٍ تُقرَعُ

لا بُدَّ مِن تَلَفٍ مُقيمٍ فَاِنتَظِر .. أَبِأَرضِ قَومِكَ أَم بِأُخرى المَصرَعُ

وَلَقَد أَرى أَنَّ البُكاءَ سَفاهَةٌ .. وَلَسَوفَ يولَعُ بِالبُكا مِن يَفجَعُ

وَليَأتِيَنَّ عَلَيكَ يَومٌ مَرَّةً .. يُبكى عَلَيكَ مُقَنَّعاً لا تَسمَعُ

وَتَجَلُّدي لِلشامِتينَ أُريهِمُ .. أَنّي لَرَيبِ الدَهرِ لا أَتَضَعضَعُ

يا رب فرج عنا

يا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا