الاثنين، 17 مايو 2021

من زرع الْإِثْم حصد الدمار

 

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ

إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

من زرع الْإِثْم حصد الدمار

هو مثل عربي والأمثلة في هذا المجرى كثيرة ، منها : من زرع العدوان حصد الخسران . وفي المعرة عندنا يقولون : اللي بتطبخ منّو بتاكو منو . حَدث عبيد الله بن مُحَمَّد بن الحفا ، قَالَ: حَدثنِي رجل من أهل الْجند، قَالَ: خرجت من بعض بلدان الشَّام، وَأَنا على دَابَّة لي، وَمَعِي خرج لي، فِيهِ ثِيَاب ودراهم. فَلَمَّا سرت عدَّة فراسخ؛ لَحِقَنِي الْمسَاء، وَأنا على مشارف دير عَظِيم، فِيهِ رَاهِب فِي صومعة. وحين رآني َنزل واستقبلني، وسألني الْمبيت عِنْده، وَأَن يضيفني، فَفعلت. فَلَمَّا دخلت الدَّيْر؛ لم أجد فِيهِ غَيره، فَأخذ دَابَّتي، وَطرح لَهَا شَعِيرًا، وعزل رحلي فِي بَيت، وَجَاءَنِي بِمَاء حَار، وَكَانَ الزَّمَان شَدِيد الْبرد، وأوقد بَين يديّ نَارا، وَجَاءَنِي بِطَعَام طيب، من أَطْعِمَة الرهبان، فَأكلت. وَمَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، فَأَرَدْت النّوم، فَقلت: أَدخل المستراح، قبل أَن أَنَام، فَسَأَلته عَنهُ، فدلني على طَرِيقه، وَكُنَّا فِي غرفَة. فَلَمَّا صرت على بَاب المستراح، إِذا بَارِية مطروحة، فَلَمَّا صَارَت رجلاي عَلَيْهَا نزلت بي فَإِذا أَنا فِي الصَّحرَاء، وَإِذا البارية قد كَانَت مطروحة تستر ما تحتها . وَكَانَ الثَّلج يسْقط فِي تِلْكَ اللَّيْلَة سقوطا عَظِيما، فَصحت، فَقُمْت وَقد تجرح بدني، إِلَّا أَنِّي سَالم، فَجئْت، واستظللت بطاق بَاب الدَّيْر من الثَّلج. فَمَا وقفت حينا حَتَّى رَأَيْت فِيهِ برابخ من فَوق رَأْسِي، وَقد جَاءَتْنِي مِنْهَا حِجَارَة، لَو تمكنت من دماغي لطحنته. فَخرجت أعدو، وَصحت بالراهب ، فشتمني، فَعلمت أَن ذَلِك من حيلته؛ طَمَعا فِي رحلي. فَلَمَّا خرجت؛ وَقع الثَّلج عَليّ، فَعلمت أَنِّي تَالِف إِن دَامَ ذَلِك عَليّ، فولد لي الْفِكر أَن طلبت حجرا فِيهِ ثَلَاثُونَ رطلا وَأكْثر ، فَوَضَعته على عَاتِقي تَارَة، وعَلى قفاي تَارَة، وَأَقْبَلت أعدو فِي الصَّحرَاء أشواطا، حَتَّى إِذا تعبت، وحميت وَجرى عرقي؛ طرحت الْحجر، وَجَلَست أستريح خلف الدَّيْر، من حَيْثُ يَقع لي أَن الراهب لَا يراني. فَإِذا أحسست بِأَن الْبرد قد بَدَأَ يأخذني؛ تناولت الْحجر، وسعيت من الدَّيْر، وَلم أزل على هَذَا إِلَى الْغَدَاة. فَلَمَّا كَانَ قبيل طُلُوع الشَّمْس، وَأَنا خلف الدَّيْر؛ إِذْ سَمِعت حَرَكَة بَابه، فتخفيت. فَإِذا بِالرَّاهِبِ قد خرج، وَجَاء إِلَى مَوضِع سقوطي، فَلَمَّا لم يرني دَار حول الدَّيْر يطلبني، وَيَقُول، وَأَنا أسمعهُ: ترى، مَا فعل الميشوم؟ أَظن اتجه للقرية القريبة من الدير ، فَقَامَ يمشي إِلَيْهَا، ويتحسر قائلا لقد فَاتَنِي سلبه، وَأَقْبل يمشي يطْلب أثري. قَالَ: فخالفته إِلَى بَاب الدَّيْر، حتى دخلته ، وهو يدور حول الدَّيْر، وأَنا خلف بَاب الدَّيْر، وَقد كَانَ فِي وسطي سكين، فوقفت خلف الْبَاب، فَطَافَ الراهب، وَلم يبعد. فَلَمَّا لم يقف لي على خبر؛ عَاد وَدخل، فحين بَدَأَ ليرد الْبَاب، وَخفت أَن يراني؛ ثرت عَلَيْهِ، ووجأته بالسكين، فصرعته ،وقتلته. وأغلقت بَاب الدَّيْر، وصعدت إِلَى الغرفة، فاصطليت بِنَار موقودة ، حتى دفئت، وَفتحت خرجي وأخرجت ، مِنْهُ ثيابًا جافة، وَأخذت كسَاء الراهب، فَنمت فِيهِ، فَمَا أَفَقْت إِلَى قريب من الْعَصْر. ثمَّ انْتَبَهت وَأَنا سَالم ، فطفت بالدير، حَتَّى وقفت على طَعَام، فَأكلت مِنْهُ، وسكنت نَفسِي. وَعثرت على مَفَاتِيح بيُوت الْحصن ، فَأَقْبَلت أفتح بَيْتا بَيْتا، فَإِذا بِمَال عَظِيم من عين، وورق، وَثيَاب، وآلات، ورحال قوم، واخراجهم. وَإِذا تِلْكَ عَادَة الراهب كَانَت مَعَ كل من يجتاز بِهِ وحيدا، ويتمكن مِنْهُ، فَلم أدر كَيفَ أعمل فِي نقل المَال، وَمَا وجدته. فَلَيْسَتْ ثِيَاب الراهب، وأقمت فِي مَوْضِعه أَيَّامًا، أتراءى لمن يجتاز بالموضع من بعيد، فَلَا يَشكونَ أنني هُوَ، وَإِذا قربوا مني لم أبرز بهم وَجْهي، إِلَى أَن خَفِي خبري. ثمَّ نزعت تِلْكَ الثِّيَاب، ولبست من بعض ثِيَابِي، وَأخذت جواليق، فملأتها مَالا، وحملتها على الدَّابَّة، ومشيت، وسقتها إِلَى أقرب قَرْيَة، واكتريت فِيهَا منزلا، وَلم أزل أنقل إِلَيْهَا كلما وجدته، حَتَّى لم أدع شَيْئا لَهُ قدر إِلَّا حصلته فِي الْقرْيَة. ثمَّ أَقمت بهَا إِلَى أَن اتّفقت لي قافلة، فَحملت على دَوَاب اشْتَرَيْتهَا، كل مَا كنت قد حصلت فِي الْمنزل. وسرت فِي جملَة النَّاس بقافلة عَظِيمَة لنَفْسي، بغنيمة هائلة، حَتَّى قدمت بلدي، وَقد حصلت لي عشرات أُلُوف من دَرَاهِم ودنانير، وسلمت من الْمَوْت.

والأمثلة في الحياة كثيرة ، وفد قيل من عمل شرا أوشك أَن يحصد ندامةً . ونحن لا نشك أن الذين كانوا سبباً في ما نحن فيه من بلاء سيحصدون شر ما فعلوا

ويا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا

ـــــــ

مفيد العلوم ومبيد الهموم (ص: 393)

الفرج بعد الشدة للتنوخي (3/ 389)

نثر الدر في المحاضرات – الآبي (1/ 293)

 

الحفا : السير حافيا

الفرسخ : 1 فرسخ  4.828 كيلو متر

المستراح : مكان قضاء الحاجة

البارية : قطعة من الجلد وقد تنسج من القصب يغطى بها البئر ، وقد تستخدم لوضع الطعام

بَرْبَخ: منفذ الماء ومجراه، أو فتحة عموديَّة ضيّقة في حائط أو سطح لتسهيل تصريف المياه وسواها .

الجوالق : أكياس أو جرار لوضع الحبوب

الأحد، 16 مايو 2021

الأذكياء بين ذكاء الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله وذكاء امرأة .

 

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ

إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

الأذكياء

بين ذكاء الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله وذكاء امرأة .

تتفاوت نسبة الذكاء بين الخلق ومن أعلام الأذكياء من سلفنا الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان رحمه شهد له به علماء عصره . قال الشافعي : سمعت مالك بن أنس- وقيل له: تعرف أبا حنيفة؟ فقال: نعم! ما ظنكم برجل لو قال: هذه السارية من ذهب لقام دونها حتى يجعلها من ذهب ، وهي من خشب أو حجارة؟ . إلا أن ذلك لا يعني أنه الأذكى أو أن فطنته قد تخونه أحياناً . قَالَ ابن الجوزي رحمه الله بلغنا أَن رجلا ابتلى بمحبة امْرَأَة فَأتى أَبَا حنيفَة فَأخْبرهُ أَن مَاله قَلِيل وَأَنَّ أهل المرأة إِن علمُوا بذلك لم يزوجوه . فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة أتبيعني اصبعك بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم ؟ قَالَ لَا قَالَ فَأخْبر الْقَوْم إِنِّي أعرفك فَمضى فَخَطَبَهَا فَقَالُوا من يعرفك فَقَالَ أَبُو حنيفَة فسألوا أَبَا حنيفَة عَنهُ فَقَالَ مَا أعرفهُ إِلَّا أَنه حضر عِنْدِي يَوْمًا فسوم فِي سلْعَة لَهُ بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم فَلم يبع ، فَقَالُوا هَذَا يدل على أَنه ذُو مَال فَزَوجُوهُ فَلَمَّا تيقنت الْمَرْأَة حَاله قَالَت لَا يضيق صدرك فهَذَا مَالِي بحكمك ، ثمَّ مَضَت إِلَى أبي حنيفَة فِي حليها وحللها فَقَالَت فَتْوَى فَدخلت فأسفرت عَن وَجههَا فَقَالَ تستري فَقَالَت مَا يُمكن قد وَقعت فِي أَمر لَا يخلصني مِنْهُ أَلا أَنْت أَنا بنت هَذَا الْبَقَّال الَّذِي على رَأس الدَّرْب وَقد بلغت عمرا واحتجت إِلَى الزَّوْج وَهُوَ لَا يزوجني وَيَقُول لمن يخطبني ابْنَتي عوراء قرعاء شلاء ثمَّ حسرت عَن وَجههَا ورأسها ويديها وَيَقُول بِنْتي زمنة . وَأُرِيد أَن تدبرني فَقَالَ ترْضينَ أَن تَكُونِي لي زَوْجَة فَقبلت ، وَقَالَت من لي بغلامك؟! فَقَالَ امْضِي فِي دعة الله فَخرجت فأحضر الْبَقَّال وحطبها وَدفع إِلَيْهِ خمسين دِينَارا وَقَالَ زَوجنِي ابْنَتك وكتب كتابا بِمِائَة دِينَار ، فَقَالَ الْبَقَّال يَا سَيِّدي اسْتُرْ مَا ستر الله . فبنتي لا تصلح لك ، قَالَ دع هَذَا عَنْك رضيت بابنتك القرعاء الشلاء الزمنة فَزَوجهُ على الْمِائَة وَالْخمسين وَمضى ، فَحدث الرجل زَوجته فَقَالَت وَالله لَا كَانَ إِلَّا يكون هَذَا ، إِلَّا على يَد أبي حنيفَة فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّة تِلْكَ اللَّيْلَة أَجْلِسهَا أَبوهَا فِي صن وَحملهَا بَينه وَبَين غُلَامه ، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو حنيفَة قَالَ مَا هَذَا فَقَالَ الْبَقَّال اشْهَدْ على طَلَاق أمهَا إِن كَانَت لي بنت غَيرهَا . فَقَالَ أَبُو حنيفَة هِيَ طَالِق ثَلَاثًا أعد على الْكتاب وَأَنت فِي حل من الْخمسين وَبَقِي أَبُو حنيفَة متفكر أشهراً ثمَّ جَاءَت تِلْكَ الْمَرْأَة إِلَيْهِ ، فَقَالَ مَا حملك على مَا فعلت ؟ فَقَالَت وَأَنت مَا حملك على أَن غررتنا بِرَجُل فَقير ؟

ــــــــ

الأذكياء – ابن الجوزي (ص: 229)

 

الزمنة : فيها عاهة

الصن: زبيل كَبِير ونحن نقول تحريفا زنبيل

السبت، 15 مايو 2021

 

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ

إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

المِرَاء أو الجدل العقيم ، من أسرار بلائنا

ومن سيرة الْمُصْطَفَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ والسلف نتعلم

وفي المعرة عندنا يقولون : معلاقو تخين . يجادل إن كان على حق أو كان على باطل ، والقصد الجدل لا الوصول إلى نتيجة تفضي إلى فائدة . وقد قالوا : إن المِرَاءُ فِي الدِّيْنِ يُقَسِّي القَلْبَ ، وَيُورِثُ الضَّغَائِنَ. ومن شعر ابن المقفع :

إذا أعطى الإنسان شيئًا من الجدل ... فلم يعطه إلا لكى يمنع العمل

وما هذه الأهواء إلا مصائب ... يخص بها أهل التعمي والعلل

في جلساتنا تجد من يماري بعيداً عن الود لتخرج الجلسة بالشحناء فالمراء  يصدع  العلم ويرهن الود ويورث الجمود وينشئ الشحناء ويُعِل القلب ورحم الله القائل :

إياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعّاء وللصرم جالب

وعن السَّائِبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قال: أتيتُ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -، فجعلوا يُثنُون عليٍّ ويذْكُروني، فقال رسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: "أنا أعلمُكُم" يعني به، قلت: صدقتَ بأبي وأُمي، كنتَ شرِيكي، فنعمَ الشريكُ، كنت لا تُدارِي، ولا تُمارِي . وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ , وَبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ , وَبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا , وَتَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا , وَحَسُنَ خُلُقُهُ» قيل لعبد الله بن الحسن: ما تقول في المراء؟ قال: ما عسى أن أقول في شيء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، فإن أقل ما فيه أن يكون دربة للمغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب الفتنة . قال ابن عباس لمعاوية رضي الله عنهما : هل لك في مناظرتي في ما زعمت؟ قال: وما تصنع بذلك؟ فأشغب بك وتشغب بي فيبقى في قلبك ما لا ينفعك ويبقى في قلبي ما يضرّك. وقيل: الناس رجلان: عالم فلا تماره، وجاهل فلا تجاره.

واليوم لقد ضيعنا من يماري لا بقصد إحقاق الحق بل لطمس الحق واستمرار البلاء . فسعادة هؤلاء هي ديمومة ما نحن فيه . لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير المراء قليل الصّواب.

اللهم فرج عنا

يا رب نسألك فرجا لسوريا وأهل سوريا

تجنب صديق السوء واحترم حاله ... فإن لم تجد عنه مَحيصًا فَدَاره

وأحبب صديق الخير واحذر مراءه ... تنل منه صفو الود مالم تُجاره

ـــــــــــــــــــــــــــ

الأدب والمروءة (ص: 22)

البيان والتبيين (1/ 172)

الرسائل الأدبية (ص: 432)

المعجم الصغير للطبراني (2/ 74)

سنن أبي داود (7/ 206)

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء - الراغب الأصبهاني (1/ 102)

 

السَّائِبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ وَاسْمُهُ صَيْفِيُّ بْنُ عَائِذِ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى عَنْهُ

اللَّوْعة: حُرقة يجدها الرّجل من الحُزْنِ والوَجْد.

الصرم : القطيعة




الأربعاء، 12 مايو 2021

رجل من الزهّاد بين يدي المنصور هناك من طبيعته الظلم ، وآخر غفل فظلم

 

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ

إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

رجل من الزهّاد  بين يدي المنصور

هناك من طبيعته الظلم ، وآخر غفل فظلم

بينما المنصور يطوف ليلا إذ سمع قائلا يقول: اللهمّ إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحقّ وأهله من الطمع. فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل يدعوه. فصلّى الرجل ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلّم عليه بالخلافة، فقال المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحقّ وأهله من الطمع؟ فوالله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني ( أوجعني ) . قال  : يا أمير المؤمنين، إن أمّنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها، وإلا احتجزت منك واقتصرت على نفسي ففيها على نفسك فقل؛ فقال  : إنّ الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغي والفساد لأنت؛ قال: ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي والحلو والحامض عندي؟ قال: وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك؟ إنّ الله تبارك وتعالى استرعاك المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجرّ وأبوابا من الحديد وحجبة معهم السلاح ثم سجنت نفسك فيها عنهم، وبعثت عمّالك في جباية الأموال وجمعها وقوّيتهم بالرجال والسلاح والكراع ، وأمرت بألّا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان نفر سمّيتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع العاري ولا الضعيف الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حقّ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيّتك وأمرت ألّا يحجبوا عنك، تجبي الأموال وتجمعها ولا تقسمها قالوا: هذا قد خان الله فما بالنا لا نخونه وقد سجن لنا نفسه؟ فأتمروا بألّا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا قصبوه عندك ونفوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، أعظمهم الناس وهابوهم، فكان أوّل من صانعهم عمّالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيّتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلّم حيل بينه وبين دخول مدينتك، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك، وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم ألّا يرفع مظلمته إليك، فإنّ المتظلّم منه له بهم حرمة، فأجابهم خوفا منهم؛ فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويعتلّ عليه، فإذا أجهد وأحرج وظهرت، صرخ بين يديك، فضرب ضربا مبرّحا، ليكون نكالا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصّين فقدمتها مرّة وقد أصيب ملكها بسمعه، فبكى يوما بكاء شديدا فحثه جلساؤه على الصبر فقال: أمّا إني لست أبكي للبليّة النازلة بي، ولكني أبكي لمظلوم بالباب يصرخ ولا أسمع صوته ثم قال: أمّا إذ ذهب سمعي فإنّ بصري لم يذهب نادوا في الناس ألّا يلبس ثوبا أحمر إلا متظلّم، ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره، وينظر هل يرى مظلوما. فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين شحّ نفسه، وأنت مؤمن بالله ثم من أهل بيت نبيه لا تغلب رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك! فإن كنت إنما تجمع المال لولدك، فقد أراك الله عبرا في الطّفل يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه، ولست بالذي تعطي بل الله يعطي من يشاء ما يشاء، وإن قلت إنما أجمع المال لتشديد السلطان فقد أراك الله عبرا في بني أمية ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة وأعدّوا من الرجال والسلاح والكراع حتى أراد الله بكم ما أراد، وإن قلت إنما أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها، فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين، هل تعاقب من عصاك بأشدّ من القتل؟ قال المنصور: لا، قال: فكيف تصنع بالملك الذي خوّلك ملك الدنيا وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل؟ ولكن بالخلود في العذاب الأليم، قد رأى ما قد عقد عليه قلبك وعملته جوارحك ونظر إليه بصرك واجترحته يداك ومشت إليه رجلاك، هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب؟ فبكى المنصور وقال: يا ليتني لم أخلق! ويحك! فكيف أحتال لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم في أمرك يسدّدوك، قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك ولكن افتح بابك وسهّل حجابك وانصر المظلوم واقمع الظالم وخذ الفيء والصدقات مما حلّ وطاب واقسمه بالحقّ والعدل على أهله وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة. وجاء المؤذنون فسلموا عليه فضلى وعاد إلى مجلسه وطلب الرجل فلم يجده .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عيون الأخبار – ابن قتيبة الدينوري(2/ 360)

الاثنين، 10 مايو 2021

ادعو لأخيك بخير وفي كل أحواله قبسات من سيرت الْمُصْطَفَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بين سَيِّدِنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وسَيِّدِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

 

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ

إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

ادعو لأخيك بخير وفي كل أحواله

قبسات من سيرت الْمُصْطَفَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

بين سَيِّدِنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وسَيِّدِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يستحب أن يقول لصاحبه إذا رأى عليه ثوبًا جديدًا أن يدعو له بخير ، ومما رواه ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُمَرَ ثَوْبًا أَبْيَضَ، فَقَالَ: " أَجَدِيدٌ ثَوْبُكَ أَمْ غَسِيلٌ؟ " فَقَالَ: فَلَا أَدْرِي مَا رَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَسْ جَدِيدًا، وَعِشْ حَمِيدًا، وَمُتْ شَهِيدًا - أَظُنُّهُ قَالَ: - وَيَرْزُقُكَ اللهُ قُرَّةَ عَيْنٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " .

وهي ليست دعوة للإسراف فكلٌ وما يستطيع ، وقد نقل عن أبي بكر الصدّيق رضى الله عنه قال : إني لأبغض أهل البيت ينفقون نفقة الأيام في اليوم الواحد . وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لبس ثوب شهرة من الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة)). وكان سَيِّدِنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يسأل الله الشهادة فاستجاب الله له فمات شهيداً في مدينة رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قتله مجوسي وفي أحب الأوقات إلى الله وهو الوقت الذي تؤدى فيه صلاة الفجر  ويروى أنه سقط وَهُوَ يقول: وكان أمر الله قدرا مقدورا.

ـــــــــــ

مسند الإمام أحمد (9/ 441)

شرح سنن أبي داود لابن رسلان (16/ 193)

الطبقات الكبرى - (3/ 265)

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2901)

نهاية الأرب في فنون الأدب - الدينوري(3/ 322)

 

السبت، 8 مايو 2021

دار الندوة كانت جامعة حقيقية للعرب في الجاهلية

 

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ

إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

دار الندوة كانت جامعة حقيقية للعرب في الجاهلية

والعجيب اتساع مهامها لتشمل قضايا اجتماعية واسعة ولم تكن مقصورة على الحرب والتجارة .

ولربما مثَّلت أول برلمان عربي في التاريخ العربي  ويقول المستشرق ( أوليري ) في حديثه عن مكة المكرمة إن القبائل العربية التي استقرت في مكة كانت مشتركة في تحالف بقصد التجارة وكان لهذا التحالف مجلس عام يضع الخطط التجارية ويناقش القضايا العامة ، ثم تطور هذا المجلس إلى شيء من الاستقرار النسبي ، وما أن انتصف القرن الخامس الميلادي حتى انبثقت من هذا المجلس دارة للندوة أسسها قصي بن كلاب أحد أجداد الرسول . والندوة لغة هي المجلس ودار الندوة كل دار يجتمع فيها للمشاورة . كَانَ قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ أَوَّلَ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. أَصَابَ مُلْكًا أَطَاعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ. فَكَانَ شَرِيفَ أَهْلِ مَكَّةَ لا يُنَازَعُ فِيهَا. فَابْتَنَى دَارَ النَّدْوَةِ وَجَعَلَ بَابَهَا إِلَى الْبَيْتِ. وَكانوا يَتَّبِعُونَ أَمْرَهُ كَالدِّينِ الْمُتَّبَعِ لا يُعْمَلُ بِغَيْرِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدِ مَوْتِهِ. وَكَانَتْ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ وَالسِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ وَحُكْمُ مَكَّةَ كُلُّهُ. وَكَانَ يَعْشِرُ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ سِوَى أَهْلِهَا. وَلا يَقْدَمُونَ إِلا نَزَلُوا فِيهَا تَشْرِيفًا لَهُ وَتَيَمُّنًا بِرَأْيِهِ وَمَعْرِفَةً بِفَضْلِهِ. وفِيهَا كَانَ يَكُونُ أَمْرُ قُرَيْشٍ كُلُّهُ وَمَا أَرَادُوا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ حَرْبٍ أَوْ مَشُورَةٍ فِيمَا يَنُوبُهُمْ. حَتَّى إِنْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ تَبْلُغُ أَنْ تُدَرَّعَ فَمَا يُشَقُّ دِرْعُهَا إِلا فِيهَا. ثُمَّ يُنْطَلَقُ بِهَا إِلَى أَهْلِهَا. وَلا يُعْذَرُ لَهُمْ غُلامٌ إِلا فِي دَارِ النَّدْوَةِ. وَلا تَخْرُجُ عِيرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَيَرْحَلُونَ إِلا مِنْهَا. وَلا يَعْقِدُونَ لِوَاءَ حَرْبٍ لَهُمْ وَلا مِنْ قَوْمٍ غَيْرِهِمْ إِلا فِي دَارِ النَّدْوَةِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ دَارَ النَّدْوَةِ لأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَنْتَدُونَ فِيهَا. أَيْ يجتمعون للخير والشر. والندي: مجمع القوم إذ اجْتَمَعُوا.

جمع الله كلمتنا على الحق

يا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا

ـــــــــــــ

تفسير الطبري (8/ 282)

الطبقات الكبرى – ابن سعد (1/ 58)




للعمل قيمة أياً كان إلا فيما يغضب الله وصوراً من مهن امتهنها أعلام السلف

 

صَبِيحَةٌ مُبارَكَةٌ

إِخْوَتِي أَخَوَاتِي

للعمل قيمة أياً كان إلا فيما يغضب الله

وصوراً من مهن امتهنها أعلام السلف

أيام المدرسة كنت ترى من يحاول جاهداً الحصول على عمل إداري حيث أن العمل الإداري يعني أن لا عمل وكأن الراغب يبغي المال دون جهد ، والقضية لا زالت مستمرة حيث أن الاتكالية ظاهرة لا زالت تشكل أهم مظاهر البلاء في مجتمعاتنا ، علما بأن الإسلام حض على العمل فعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» وحض أيضا على اتقان العمل ونهى عن ادعاء الاتقان ، عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلَا أَنْ يُتْقِنَهُ " وما يعيب المرء أن يبقى إلا عاطلا عن العمل وقد قيل : غبار العمل ولا زعفران البطالة . ولو استعرضنا أسماء ثلة من السلف لوجدنا عجبنا فأبو طالب كان يبيع العطر، وأبو بكر رضي الله عنه كان بزازا وكذلك عثمان وطلحة وعبد الرحمن رضي الله عنهم ، وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل والعوام والد الزبير كان خياطا وابنه الزبير كان خزازا ( بائع أقمشة ) وعامر بن كرز والوليد بن المغيرة حدادا، وعقبة بن أبي معيط كان خمارا، وأبو سفيان يبيع الزيت والأدم ( الجلد ) ، عبد الله بن جدعان نخاس ( بائع للعبيد ) وأبو حنيفة كان خزازا، ومالك بن دينار كان وراقا ( يستنسخ الكتب ) والمتنبي ابن سقّاء بالكوفة وكان أبو تمام يخدم خياطاً ، وكان عثمان بن طلحة صاحب مفتاح البيت خياطا وكان عتبة بن أبي وقاص أخو سعد نجاراً، وكان أمية بن خلف يبيع البرام ( القدور ) ، ، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص بيطاراً يعالج الخيل، وكان النضر بن الحارث بن كلدة يضرب العود، وكان الحكم بن العاص خصاء يخصي الغنم، وكذلك حريث بن عمرو بن حريث، وكذلك قيس الفهري أبو الضحاك بن قيس، وكذلك سيرين أبو محمد بن سيرين، ، وكان المهلب بن أبي صفرة بستانياً، وكان مسلم أبو قتيبة جمالاً، وكان سفيان بن عيينة معلماً، وكذلك الضحاك بن مزاحم وعطاء بن أبي رباح، وكذلك الكميت بن زيد الشاعر، وكذلك عبد الحميد بن يحيى كاتب الرسائل، والحجاج بن يوسف وأبوه مارسا التعليم والكسائي؛ هذه صناعات الأشراف نقلتها من مصادرها.

ونحن عن البيضة مسلوقة لأ ومقشرة تصلنا دون تعب .

والبطالة سر من أسرار البلاء الذي نحن فيه

يا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا

 ـــــــــــــــــــــــــ

أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه - الثعالبي(ص: 41)

الأغاني (4/ 265)

المحاسن والأضداد (ص: 150)

مفيد العلوم ومبيد الهموم - الخوارزمي(ص: 481)

البصائر والذخائر  - التوحيدي(5/ 43)

الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (10/ 186)

صحيح البخاري (2/ 123)