الاثنين، 14 مارس 2016

الْخَيْرُ عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ

الْخَيْرُ عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ :
حديث شريف نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والخير والشر كلماتان معروفتان الدلالة ، أما وصف الشرة باللجلجة فلما فِيهِ من العوج وضيق وكرب للنَّفس0
ولن أدخل في تفسير أصل العادة وآثارها إنما أريد أن أحدثكم عن بعض صورها ونماذج تأثيرها فأبسط تعريف للعادة يقول : أنها ما استمر الناس عليه وهم في تمام عقولهم ، وعادوا إليه مرة بعد أخرى. ومن هنا ندرك أن العادات قاهرات لأصحابها ، وقديما قيل :من اعتاد شيئا في السّرّ فضحه في العلانية.
ويبقى الخير عادة إلا أن الكيفية في تحوله إليها ، ومن ثم إلى سلوك حياتي مؤثر في حياة المرء ومتعد بأثره إلى سواه من الناس أمر يحتاج إلى أسس نفسية وعقلية ، لا بد من ترسيخها وفي أعلاها درجة حب فعل ما نبغي أن يتحول إلى عادة إضافة لضوابط ذلك الفعل حتى لا تنحرف العادة عن مسارها ويتحول أثرها ليصبح عكسي التأثير أو مشوها ، فيورث عادات ما أنزل الله بها من سلطان 0
والدراس لتواريخ الأمم يجد عجبا في نشوء عاداتها وتكوينها والعوامل والظروف التي مهدت لها ومن ثم ذيوعها بين الناس وربما تحولت بعض العادات لتغدو أحد مظاهر العقيدة الدينية عندهم ، ولعل الاستسهال للقيام بأمر ما سبب يقود لنشوء عادات قد يصبح من العسير بعد ذلك إيقافها والتخلص من آثارها 0
فحين استسهل الناس مثلا السهل المبسوط من الكلام ، جر علينا وباء العامية وما نتج عنها لتؤثر على حياتنا كلها 0فالكلمة دليل الفكر وينعكس تأثيرها في سلوك الناس وحياتهم وليس من دليل أبسط على ذلك من أن العامية أثرت على عقولنا وساقت بمفرداتها أفكارنا وليستعرض أحدنا المفردات التي يستخدمها في حياته اليومية وليناقش دلالتها الفكرية فلا بد أن يجد أنها صماء عجاء ميته فكيف لها أن تسمو بأفرادها فكرا ومن ثم سلوكا بأصحابها0
لا حظ معي أن اللغات العالمية تفتقد لفظة ( العِرض ) ولهذا فصون العرض عندهم أمر ليس له دلالة فكرية أو حياتية اجتماعية 0
ولقد قادتنا العادة أن نتناسى كلمة الحرام ليشيع استخدام لفظة العيب كبديل عنها ، ولكن ما هو العيب وماهي دلالته 0
نعم لقد ألبسنا لفظ العيب قواعد تتبعد حتى أنهاعن أصل اللفظة العربية وشتان ما بين العيب والحرام0
وللحزن وهو أمر مشروع غرائب أيضا ، إلا أن عادات نشأت فدفعت الناس إلى المحظور وما يصل إلى حد الإيذاء فقد ذكر أهل فرغانة من عاداتهم قطع الآذان حزناً على موت الأكابر من الناس ، وأهل الشام يجعلون من السواد دليل حزن في حين أن أهل الأندلس كانوا يلبسون البياض حزنا على ذويهم0
والكرم أيضا صفة نبيلة قومها الإسلام وهذبها ، إلا أنك تجدها لدى الناس تلبس صورا وأشكالا تثير الغرابة والعجب فالعرب اتصفوا بصفة الكرم ولعل حاتم الطائي عنوان هذه الصفة إلا أن الكرم عند العرب ، لربما كان حاجة فرضتها البيئة القاسية التي عاشوا فيها ، ولعل قساوة البيئة الشديدة البرودة هي نفسها فرضت على الأسكيمو أن يكونوا كرماء أيضا والكرم ليس بتقديم أسباب الراحة والطعام للضيف لا بل يقدم رجل الأسكيمو للضيف امرأته كي تبيت معه !
وللفرح عاداته وغرائبه فمن عادات سكان آسيا الوسطى قديما 0 أنه من ملك عشرة آلاف درهم اتخذ لزوجته طوقاً من ذهب، وإن ملك عشرين ألفاً اتخذ طوقين، وعلى هذا فربما كان في رقبة واحدة أطواق كثيرة وعند قبائل الماساي في وسط أفريقيا تحلق العروس شعرها تتماما في حين لا بد للرجل من إطالة شعره وإساله على كتفيه
وللعقوبة عادات : وقد قيل أن يخطئ المرء في العفو فيعفو ، خير من أن يخطئ في العقوبة
ولا بد من كونها قدر الجرم ولا تزيد ، وأن تؤمن العاقبة الناتجة عن تنفيذها 0 وربما كانت أول عقوبة عوقب بها ابن آدم في الدنيا مفرقة الأحبة 0
وكان من عادات الناس في مصر أن صنع أحد الفراعنة صنمين من حجر أسود في وسط مدينة طيبة ، فإذا نظر إليها السارق لم يقدر على الانحياز عنهما حتّى يسلك بينهما فينطبقان عليه.وعندنا في ريف المعرة ما يسمى بـ ( البشعة) وهي عبارة عن رقاقة معدنية بحجم الليرة السورية متصلة بقضيب معدنية تحمى على النار وتوضع على لسان المتهم بالسرقة فإن صرخ ألما ابتلي بالسرقة وإن صبر عفي عنه 0
وعند بعض شعوب آسيا قديما أن الزاني كان يعلق على غصن شجرة طويلة وتركوه حتى يتفتت جسده 0 وفي بلاد الصين فربما جار الملك الذي من تحت يد الملك الأكبر فيذبحونه ويأكلونه0
وبعد أفليس الخير في معناه العام والخاص قد تحول إلى عادة في سلوك السلف الصالح حتى أننا بتنا قد لا نستوعب وقد نتوقف في ذهول عندما نتدارس حياتهم فعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في حب الصدقة وقد كان من أثرياء الصحابة رضوان الله عليهم حتى بلغ به الأمر فيما اعتاده أنه لم يخرج زكاة ماله قط فليس لديه من بقية مال يخرج عنه الزكاة ،والبسملة قبيل البدء بالطعام سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنها عند الإمام أحمد بن حنبل تحولت إلى عادة قبيل كل لقمة يلتقمها 0
وحب التعلم وكتابة العلم محضوض عليها في الإسلام وهي من عادات الخير إلا أنها قد تتحول عند بعض العلماء إلى حياة خاص حتى أننا نذهل عندما نعلم أن حب الكتابة قد تحول عند الإمام النووي رحمه الله تعالى إلى عادة لازمت حياته حتى وجد في اعتياد النوم أمر متعارض وحب التأليف والكتابة لديه ، وروي أنه كتب مرة على السراج حتى انتهى زيته فاستبقه الباري جل في علاه وأنار له اصبعه فكتب على ضوئها حتى أصبح 0
وعندما نعلم أن ابن عقيل الحنبلي قد ترك من بعض آثاره وكما ذكر ابن الجوزي في سيرته كتاب الفنون في سبعمائة مجلد قال: كتاب الفنون ما جعله إلا لفضول الأوقات ، يعني فضول الوقت ، جعل رزمة من الأوراق عند رأسه فإذا أراد أن ينام كتب قبل أن ينام عشر صفحات، وإذا استيقظ وقال: أصبحنا وأصبح الملك لله كتب عشر صفحات، وإذا مرت به خاطرة سجلها، وإذا أتته فائدة قيدها، كل هذا خارج أوقات الدروس والمحاضرات واللقاءات ، فترك للأمة سبعمائة مجلد ، حتى أنه كان يقول: أنا آكل الكعك ولا آكل الخبز؟ قالوا: لماذا؟ قال: وجدت أن بين الوقتين مقدار ما يقرأ القارئ خمسين آية.
والسلطان العثماني عبد الحميد الثاني رحمه الله اعتاد أن لا يترك نافلة صلاة وأن يتوقف عن أي عمل حين يسمع الآذان إلا تلبية المؤذن فصدف مرة أن قال لمرافقيه فليؤمنا اليوم من لم يترك سنة العصر أبدا وهي سنة غير مؤكدة فلم يتقدم أحد فتقدم هو وأم الناس 0
غيرتم عاداتكم عندنـــــــــــا ... فكلنا من عبئه يســـــــــتريح
فغير الرحمن عاداتـــــــــــه ... عندكم كي تعذروا في القبيح
المدرس : هشام كرامي
*******************************
شعب الإيمان - البيهقي(11/ 135)
التعريفات – الجرجاني (ص: 146)
الإمتاع والمؤانسة - التوحيدي(ص: 217)
أطواق الذهب في المواعظ والخطب - كتاب المقالات الزمخشري (ص: 25)
الحيوان – الجاحط (1/ 62)
آثار البلاد وأخبار العباد - للقزويني(ص: 236- 586
تاريخ الطبري - (1/ 382)
طبقات الأولياء – ابن الملقن (ص: 111)
رحلة السيرافى (ص: 48)
المسالك والممالك للبكري (2/ 553)
الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة – سعيد المغربي(ص: 38)
مجلة الأستاذ (ص: 171)


نحنا أولاد شحشبوا والكذب ومن حكايا الظلم والظلمة

نحنا أولاد شحشبوا والكذب
من حكايا الظلم والظلمة
أقول كثيرون هم من لا زالوا يعتقدون أن الديك يبيض
ولكن أن يلد الحصان عجلا ! فو الله لا جرأة لأحد على قولها
ولا غرابة ففي زماننا أضحى الذئب يأكل العشب ، ولا عجب فأمه شاة غنم
والظالم ربما ظن أنه بموقعه يقلب ، ما يشاء ، لما يشاء
ويذكرني ما ذكرت بحكاية كانوا أهلنا يقصونها علينا كي نبتعد عن الكذب والكذب ذوآبة الظلم
وهي حكاية أولاد شحشبوا : وهؤلاء كانوا يقولون نحن أولاد شحشبوا والكذب لا نعرفه بس نحنا نُحمل البرغوث قنطار وبالطلعة نركبه - ولا تستغربوا - برغوثنا بالبحر ما بغوص لركاكيبو ( القصد للركبة )
وروى عكرمة مولى ابن عباس : أنه كان في بنى إسرائيل قضاة ثلاثة ، قضوا ما شاء الله أن يقضوا فبعث الله مَلَكا على فرس فمر على رجل يسقى بقرة معها عجل ، فدعا المَلَك العجل فتبع العجل الفرس، فجاء صاحبه ليرده فقال: يا عبد الله! عجلي وابن بقرتي، فقال المَلَك: بل هو عجلي وابن فرسي، فخاصمه حتى أعيا، فقال: القاضي بيني وبينك، قال: لقد رضيت، فارتفعا إلى أحد القضاة فتكلم صاحب العجل فقال له: مر بي على فرس فدعا عجلي فتبعه فأبى أن يرده. قال: ومع الملك ثلاث درأت لم ير الناس مثلها، فأعطى القاضي درة وقال: اقض لي، فقال: كيف يسوغ هذا؟
فقال: نرسل العجل خلف الفرس والبقرة فأيهما تبعها فهو ابنها، ففعل ذلك فتبع الفرس فقضى له.
فقال صاحب العجل: لا أرضى، بيني وبينك القاضي الآخر، ففعلا مثل ذلك
ثم أتيا الثالث فقصا عليه قصتهما، وناوله الملك الدرة الثالثة فلم يأخذها، وقال لا أقضى بينكما اليوم، فقالا: ولم لا تقضى بيننا؟
فقال: لأني حائض، فقال الملك: سبحان الله!! رجل يحيض!؟.
فقال القاضي: سبحان الله! وهل تنتج الفرس عجلا؟ فقضى لصاحب البقرة.
فقال الملك: إنكم إنما ابتليتم، وقد رضى الله عنك وسخط على صاحبيك.
--------------
-       البداية والنهاية – ابن كثير (9/ 246)
***********

·        القنطار في المعرة ثلاثمائة وعشر كيلو غرام

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل لماذا لم يقل سبحانه " لله الحمد "؟

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل
لماذا لم يقل سبحانه " لله الحمد "؟
الحمد الله تقال إذا كان هناك كلام يراد تخصيصه (مثال: لفلان الكتاب) تقال للتخصيص والحصر فإذا قدم الجار والمجرور على اسم العلم يكون بقصد الاختصاص والحصر (لإزالة الشك أن الحمد سيكون لغير الله)
الحمد لله في الدنيا ليست مختصة لله سبحانه وتعالى، الحمد في الدنيا قد تقال لأستاذ أو سلطان عادل، أما العبادة فهي قاصرة على الله سبحانه وتعالى، المقام في الفاتحة ليس مقام اختصاص أصلاً وليست مثل (إياك نعبد) أو (إياك نستعين) . فقد وردت في القران الكريم (فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين) الجاثية (لآية 36)
لا أحد يمنع التقديم لكن التقديم والتأخير في القرآن الكريم يكون حسب ما يقتضيه السياق، المقام في سورة الفاتحة هو مقام مؤمنين يقرون بالعبادة ويطلبون الاستعانة والهداية؛ أما في سورة الجاثية فالمقام في الكافرين وعقائدهم وقد نسبوا الحياة والموت لغير الله سبحانه لذا اقتضى ذكر تفضله سبحانه بأنه خلق السموات والأرض وأثبت لهم أن الحمد الأول لله سبحانه على كل ما خلق لنا فهو المحمود الأول لذا جاءت فلله الحمد مقدمة حسب ما اقتضاه السياق العام للآيات في السورة.
-----------
-       لمسات بيانية في نصوص من التنزيل – الدكتور فاضل صالح السامرائي (ص: 12،)


لعلي تعلمت من سيدنا عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

لعلي تعلمت من سيدنا عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مما أعتز به في حياتي أنني كنت أحضر حفلات تخرج حفظة القرآن الكريم في مدينة دمشق ما أمكنني ذلك ، وأذكر رئيس اللجنة شيخ قراء بلاد الشام حسين خطاب إمام مسجد الثريا ، إلا أن الحفلة كانت تقام في مسجد زيد بن ثابت في حي الفحامة ، ما يميز حفظة القرآن في تلك اللحظات اللباس الأبيض الذي يؤتديه ، والذي وحدهم زياً كما وحدهم كتاب الله قلباً ، وربما تجاوز العدد الصف الأول والثاني ، مشهد لا تصفه الأقلام ، بل تصفه القلوب
الحفلة موضوعها تهنئة الحفظة بما نالوه من رفعة في الدنيا ، وبما ينتظرهم في الآخرة بكرمه الله تعالى
مرة قلت نفسي كل سنة أخرج من المولد بلا حمص ، فاخرج مرة بفائدة
فهداني الله لأمر وأنا أصافح الحفظة مع الناس أن ظفرت بأحد الحفظة وهو طفل لم يتجاوز الثامنة حملته قبلته ، وقلت أرجوك متوسلا أن تذكرني بدعوة ، لمن أكرمك بحفظ كتابه ، تبسم ثم حرك شفاهه بدعاء منعني تزاحم الناس عن ادركه كاملا
وهنا أنا لست أقارن نفسي بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنا لي بمكان وطئه عمر
ولكني أتمثل قول شهاب الدين السهروردي :
فَتَشَبّهوا إِن لَم تَكُونوا مِثلَهُم * إِنَّ التَّشَبّه بِالكِرامِ فَلاحُ
كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قد سمع من رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قوله : «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ وتوفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ويستمر عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثمان سنين إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ يسَأَلَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مُرَادٍ؟
حَتَّى أَتَى أُوَيْسٍ، سنة ثمان عشرة - وللعلم كان بمقدوره أن يرسل إليه يطلبه ولكنه لم يفعل لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال : يأتي ويسأله عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرِ بن مراد قال: نعم، قال: كان بِكَ بَرَصٌ فَبَرِأْتَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، ويسأله عمر الاستغفار فيسْتَغْفِرْ له .
ويسأله عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيَن تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ فَقَالَ: أَلا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا فَيَسْتَوْصِي بِكَ، فَقَالَ: لأَنْ أَكُونَ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ
---------------------
- صحيح مسلم (4/ 1969)
- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (4/ 255)
- تاريخ الإسلام ت تدمري (1/ 386)


ربما أسفر السَّفر عن الظَّفر

ربما أسفر السَّفر عن الظَّفر
الغربة عن الأرض والوطن بغض النظر عن ما تحمله في طياتها من الألم ، فيها انتفاع ومصلحة
والعرب من أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقّوا من اسمه الغربة، والاغتراب، والغريب
وقد يكون في تجرع الألم فائدة ،فطعم الدواء المر يأذن بالعافية
قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : «سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتُرْزَقُوا»
وقد قيل لأعرابيّ أين منزلك؟ قال: بحيث ينزل الغيث.
وقالت العرب: من أجدب انتجع.
أما البحتري فيقول : وَإِذا الزَمانُ كَساكَ حُلَّةَ مُعدِمٍ  *  فَاِلبَس لَهُ حُلَلَ النَوى وَتَغَرَّبِ
ولنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصف هو منتهى القول في الغربة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ » وقد روى ابن عمر وابن عباس، رضي الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (سافروا تصِحُوا وتغنموا) وهو غير مخالف لحديث أبى هريرة. قيل: وليس كون السفر قطعة من العذاب بمانع أن يكون فيه منفعة ومصحة لكثير من الناس؛ لأن في الحركة منفعة
وأنا أقول لكل مغترب عن أهله ووطنه ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ السَّفَرَ. فَقَالَ لَهُ: «مَتَى؟» قَالَ: غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: فَأَتَاهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ لَهُ: «فِي حِفْظِ اللَّهِ، وَفِي كَنَفِهِ، زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَغَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، وَوَجَّهَكَ لِلْخَيْرِ أَيْنَمَا تَوَخَّيْتَ، أَوْ أَيْنَمَا تَوَجَّهْتَ» وشَكَّ سَعِيدٌ فِي إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ والحديث حسن غريب
ومن أمثال العامة: البركات مع الحركات.
---------------
-       شرح صحيح البخاري - ابن بطال (4/ 455)
-       صحيح البخاري (3/ 8)
-       سنن الدارمي (3/ 1747) وهو حديث حسن غريب
-       الإعجاز والإيجاز (ص: 168)

-       الحيوان (2/ 418)

الجمعة، 11 مارس 2016

وليمة صنعها أمير المؤمنين هارون الرشيد رحمه الله تعالى

وليمة صنعها أمير المؤمنين هارون الرشيد رحمه الله تعالى
لك أن تتخيل أنك أحَدَ من دُعي إليها
لا أتخيل أنك ترفض دعوة كهذه
فمن دعاك ملك عنوان ملكه ذُل العبودية لربه
ثم بدأت الصور تتوالى على مخيلتك
سبحان مالك الملك
أنت الآن في حضرة رجل مُلكه اتسع كل المُعمور المعروف من الأرض
رجل بلغ من اتساع سلطته أن يخاطب الغمامة في تواضع لله
اذهبي أنّا شئت فخراجك عائد إلينا
اخترق صمتك نداء هارون الرشيد ، يدعوك
ابدأ الناس المدعوين بكلمة
لن أدخل لأعماق نفسك لأصف ما أنت عليه . عند سماعك النداء
لم يَدر في خلدك أنك ستكون المتحدث الأول !
ترى كيف تبدأ ؟ وبماذا تفكر ؟
هل ستبعدك رهبة المَلكِ الخليفة ؟ عن رهبة المَالك وهو الله تعالى !
سؤال أنت فقط من يحق له الإجابة عليه !
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: صَنَعَ الرَّشِيدُ يَوْمًا طَعَامًا كَثِيرًا، وَزَخْرَفَ مَجَالِسَهُ، وَأَحْضَرَ أَبَا الْعَتَاهِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: صِفْ لَنَا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ نَعِيمِ هَذِهِ الدُّنْيَا) ، فَقَالَ:
عِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِمًا ... فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ الْقُصُورِ
فَقَالَ: أَحْسَنْتَ! ثُمَّ قَالَ: مَاذَا؟ فَقَالَ:
يُسْعَى عَلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْتَ ... لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي الْبُكُورِ
فَقَالَ: أَحْسَنْتَ! ثُمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ:
فَإِذَا النُّفُوسُ تَقَعْقَعَتْ ... فِي ظِلِّ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ
فَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا ... مَا كُنْتَ إِلَّا فِي غُرُورِ
فَبَكَى الرَّشِيدُ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى: بَعَثَ إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِتَسُرَّهُ، فَحَزَنْتَهُ. فَقَالَ: دَعْهُ، فَإِنَّهُ رَآنَا فِي عَمًى، فَكَرِهَ أَنْ يَزِيدَنَا.

الكامل في التاريخ – ابن الأثير(5/ 358)

ونسأل عن سر الهموم

ونسأل عن سر الهموم
والنبي صلى الله عليه وسلم يرشدنا لسبيل الهَمْ فعن بيان بن الحكم ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا قَصَّرَ الْعَبْدُ فِي الْعَمَلِ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالْهَمِّ "
لا ونستعذب الحديث أمام الناس بوصف ما نعاني من كثرة الهموم
ولو سألت لوجدت عجبا
جُلَّ الهموم وفي أصلها الحسد عافانا الله تعالى
هَمٌ في ترقية لمنصب يشغله غيرنا ، وآخر بلوغ حدا من الثراء كما هو عند فلان
نشغل أنفسنا باستقصاء عيوب الخلق ، نطمع في اسقاطهم والتسلق لنعلوا من خلال السقوط
فإنك لن تستطرد الهمّ بالمنى ... ولن تبلغ العليا بغير المكارم
ولقد الحسد يضعف اليقين ، ويسهر العين، ويكثر الهمّ.
وقد تقول أليس الفقر والعوز هَمّاً
أجيب صحيح ولكني أقول : كُلَّمَا زَادَ العّبْدُ فِي الْعَمَل زَادَ اللهُ فِي الْعَطَاءِ
فأحسن عملك وأتقنه ولتعلم أن حجم الأجر وارتفاعه ليس بمؤشر على كفاية الحاجة
فلقد جاء رجل لأبي حنيفة رحمه الله يسأله أن يُحدث صاحب عمله في رفع أجرته ، فسأله أبو حنيفة رحمه الله ، كم يعطيك فأجاب أربعة دراهم 0 فقال أبو حنيفة ، قل له أن يعطيك ثلاثة فقط 0
عاد الرجل أدراجه وهو على ثقة بمن سأل وأخبرصاحبه عمله أن ينقص أجره درهما
وبعد مدة عاد الرجل ليرجو أبا حنيفة زيادة في الأجر ، ويجيب أبا حنيفة قل له أن ينقصك درهما ففعل الرجل
ولكنه لم يعد ، فسأل عنه أبو حنيفة فوجده في خير وهناءة عيشه
وباشره القول إني أتقضى درهمين ، ولقد وجدت فيهما سعة وبركة
وكأن أبا حينفة يوجهنا لأمر جد هام في حياتنا وهي مساواة الأجر لحجم العمل وأن الإخلال في ذلك قد يذهب البركة ويورث الهم ، ورحم الله القائل :
فكن دافناً للشر بالخير تسترح ... من الهم إن الخير للشر دافن
وأختم بالقول وبذكر شكل آخر من الهموم يتحلى بها الرجال زينة وشهامة ومرؤة كالهموم العامة والسعي لإيجاد الحلول لها

وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( اللهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِك مِن الهَمِ والحَزَن والعَجِز والكَسلِ والجُبن والبُخل وظَلعِ الدَّينِ وغَلبة الرِّجال )