الاثنين، 14 مارس 2016

ربما أسفر السَّفر عن الظَّفر

ربما أسفر السَّفر عن الظَّفر
الغربة عن الأرض والوطن بغض النظر عن ما تحمله في طياتها من الألم ، فيها انتفاع ومصلحة
والعرب من أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقّوا من اسمه الغربة، والاغتراب، والغريب
وقد يكون في تجرع الألم فائدة ،فطعم الدواء المر يأذن بالعافية
قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : «سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتُرْزَقُوا»
وقد قيل لأعرابيّ أين منزلك؟ قال: بحيث ينزل الغيث.
وقالت العرب: من أجدب انتجع.
أما البحتري فيقول : وَإِذا الزَمانُ كَساكَ حُلَّةَ مُعدِمٍ  *  فَاِلبَس لَهُ حُلَلَ النَوى وَتَغَرَّبِ
ولنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصف هو منتهى القول في الغربة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ » وقد روى ابن عمر وابن عباس، رضي الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (سافروا تصِحُوا وتغنموا) وهو غير مخالف لحديث أبى هريرة. قيل: وليس كون السفر قطعة من العذاب بمانع أن يكون فيه منفعة ومصحة لكثير من الناس؛ لأن في الحركة منفعة
وأنا أقول لكل مغترب عن أهله ووطنه ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ السَّفَرَ. فَقَالَ لَهُ: «مَتَى؟» قَالَ: غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: فَأَتَاهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ لَهُ: «فِي حِفْظِ اللَّهِ، وَفِي كَنَفِهِ، زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَغَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، وَوَجَّهَكَ لِلْخَيْرِ أَيْنَمَا تَوَخَّيْتَ، أَوْ أَيْنَمَا تَوَجَّهْتَ» وشَكَّ سَعِيدٌ فِي إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ والحديث حسن غريب
ومن أمثال العامة: البركات مع الحركات.
---------------
-       شرح صحيح البخاري - ابن بطال (4/ 455)
-       صحيح البخاري (3/ 8)
-       سنن الدارمي (3/ 1747) وهو حديث حسن غريب
-       الإعجاز والإيجاز (ص: 168)

-       الحيوان (2/ 418)

الجمعة، 11 مارس 2016

وليمة صنعها أمير المؤمنين هارون الرشيد رحمه الله تعالى

وليمة صنعها أمير المؤمنين هارون الرشيد رحمه الله تعالى
لك أن تتخيل أنك أحَدَ من دُعي إليها
لا أتخيل أنك ترفض دعوة كهذه
فمن دعاك ملك عنوان ملكه ذُل العبودية لربه
ثم بدأت الصور تتوالى على مخيلتك
سبحان مالك الملك
أنت الآن في حضرة رجل مُلكه اتسع كل المُعمور المعروف من الأرض
رجل بلغ من اتساع سلطته أن يخاطب الغمامة في تواضع لله
اذهبي أنّا شئت فخراجك عائد إلينا
اخترق صمتك نداء هارون الرشيد ، يدعوك
ابدأ الناس المدعوين بكلمة
لن أدخل لأعماق نفسك لأصف ما أنت عليه . عند سماعك النداء
لم يَدر في خلدك أنك ستكون المتحدث الأول !
ترى كيف تبدأ ؟ وبماذا تفكر ؟
هل ستبعدك رهبة المَلكِ الخليفة ؟ عن رهبة المَالك وهو الله تعالى !
سؤال أنت فقط من يحق له الإجابة عليه !
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: صَنَعَ الرَّشِيدُ يَوْمًا طَعَامًا كَثِيرًا، وَزَخْرَفَ مَجَالِسَهُ، وَأَحْضَرَ أَبَا الْعَتَاهِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: صِفْ لَنَا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ نَعِيمِ هَذِهِ الدُّنْيَا) ، فَقَالَ:
عِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِمًا ... فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ الْقُصُورِ
فَقَالَ: أَحْسَنْتَ! ثُمَّ قَالَ: مَاذَا؟ فَقَالَ:
يُسْعَى عَلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْتَ ... لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي الْبُكُورِ
فَقَالَ: أَحْسَنْتَ! ثُمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ:
فَإِذَا النُّفُوسُ تَقَعْقَعَتْ ... فِي ظِلِّ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ
فَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا ... مَا كُنْتَ إِلَّا فِي غُرُورِ
فَبَكَى الرَّشِيدُ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى: بَعَثَ إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِتَسُرَّهُ، فَحَزَنْتَهُ. فَقَالَ: دَعْهُ، فَإِنَّهُ رَآنَا فِي عَمًى، فَكَرِهَ أَنْ يَزِيدَنَا.

الكامل في التاريخ – ابن الأثير(5/ 358)

ونسأل عن سر الهموم

ونسأل عن سر الهموم
والنبي صلى الله عليه وسلم يرشدنا لسبيل الهَمْ فعن بيان بن الحكم ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا قَصَّرَ الْعَبْدُ فِي الْعَمَلِ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالْهَمِّ "
لا ونستعذب الحديث أمام الناس بوصف ما نعاني من كثرة الهموم
ولو سألت لوجدت عجبا
جُلَّ الهموم وفي أصلها الحسد عافانا الله تعالى
هَمٌ في ترقية لمنصب يشغله غيرنا ، وآخر بلوغ حدا من الثراء كما هو عند فلان
نشغل أنفسنا باستقصاء عيوب الخلق ، نطمع في اسقاطهم والتسلق لنعلوا من خلال السقوط
فإنك لن تستطرد الهمّ بالمنى ... ولن تبلغ العليا بغير المكارم
ولقد الحسد يضعف اليقين ، ويسهر العين، ويكثر الهمّ.
وقد تقول أليس الفقر والعوز هَمّاً
أجيب صحيح ولكني أقول : كُلَّمَا زَادَ العّبْدُ فِي الْعَمَل زَادَ اللهُ فِي الْعَطَاءِ
فأحسن عملك وأتقنه ولتعلم أن حجم الأجر وارتفاعه ليس بمؤشر على كفاية الحاجة
فلقد جاء رجل لأبي حنيفة رحمه الله يسأله أن يُحدث صاحب عمله في رفع أجرته ، فسأله أبو حنيفة رحمه الله ، كم يعطيك فأجاب أربعة دراهم 0 فقال أبو حنيفة ، قل له أن يعطيك ثلاثة فقط 0
عاد الرجل أدراجه وهو على ثقة بمن سأل وأخبرصاحبه عمله أن ينقص أجره درهما
وبعد مدة عاد الرجل ليرجو أبا حنيفة زيادة في الأجر ، ويجيب أبا حنيفة قل له أن ينقصك درهما ففعل الرجل
ولكنه لم يعد ، فسأل عنه أبو حنيفة فوجده في خير وهناءة عيشه
وباشره القول إني أتقضى درهمين ، ولقد وجدت فيهما سعة وبركة
وكأن أبا حينفة يوجهنا لأمر جد هام في حياتنا وهي مساواة الأجر لحجم العمل وأن الإخلال في ذلك قد يذهب البركة ويورث الهم ، ورحم الله القائل :
فكن دافناً للشر بالخير تسترح ... من الهم إن الخير للشر دافن
وأختم بالقول وبذكر شكل آخر من الهموم يتحلى بها الرجال زينة وشهامة ومرؤة كالهموم العامة والسعي لإيجاد الحلول لها

وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( اللهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِك مِن الهَمِ والحَزَن والعَجِز والكَسلِ والجُبن والبُخل وظَلعِ الدَّينِ وغَلبة الرِّجال )

ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا

ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا
خرَّج البخاري من حديث أبى أسامة ، عن هشام عن أبيه ، عن عائشة رضى اللَّه عنها ، أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم.
قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور - نوع أقمشة يُخالطها حرير-
قالت: فوضعته- أو وقع منها- فمرت به حدياة (ِ عقَاب )وهو ملقى ، فحسبته لحما فخطفته.
قالت: فالتمسوه فلم يجدوه.
قالت فاتهمونى به. قالت فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قلبها.
(فَلَمَّا خفت الشَّرّ، رفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء فَقلت: يَا رباه، أَغِثْنِي، فمرت الْعقَاب فَطَرَحته بَيْننَا، فَنَدِمُوا، وَقَالُوا: ظلمنَا المسكينة، وَجعلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى)
فقالت : هذا الّذي به زعمتم، وأنا منه بريئة وهو ذا هو.
ثم جاءت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم فأسلمت.
قالت عائشة: رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها: فكان لها خباء في المسجد، أو حفش قالت: فكانت تأتينني فتحدث عندي. قالت فلا تجلس عندي مجلسا إلا قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا إلا أنه من بلدة الكفر أنجانى منها
قالت عائشة رضى اللَّه عنها: فقلت لها ما شأنك لا تقعدين معى مقعدا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثني بهذا الحديث.
=======
-         (فتح الباري) : 1/ 37 كتاب الصلاة
-         إمتاع الأسماع - المقريزي(10/ 161)
سيور : نوع أقمشة يُخالطها حرير

حفش : وعَاء صَغِير نَحْو السفط الصَّغِير وَالْجمع أحفاش تجْعَل فِيهِ الْمَرْأَة دهنها ومشطها 

بمن نفاخر، وبماذا نفتخر

بمن نفاخر، وبماذا نفتخر
كثيرون هم من يفخر بنسبه ، وآخرون بعلمهم
ومن الناس يتظاهر بتقاه
ولكن الفضل لمن كان الله جهته
والسعادة لمن تقبل الله عمله
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ  لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ،وقد أَمَّرَهُ عَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ وَأَوْصَاهُ: يَا سَعْدُ، سَعْدَ بَنِي وُهَيْبٍ، وقيل قال :«يا سعد بن أم سعد » لا يَغُرَّنَّكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قِيلَ خَالُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصاحب رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنَّهُ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَبٌ إِلا طَاعَتَهُ، فَالنَّاسُ شَرِيفُهُمْ وَوَضِيعُهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ سَوَاءٌ، اللَّهُ رَبُّهُمْ وَهُمْ عِبَادُهُ، يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ، وَيُدْرِكُونَ مَا عِنْدَهُ بِالطَّاعَةِ فَانْظُرِ الأَمْرَ الَّذِي رَأَيْتَ النبي ص عَلَيْهِ مُنْذُ بُعِثَ إِلَى أَنْ فَارَقَنَا فَالْزَمْهُ فَإِنَّهُ الأَمْرُ هَذِهِ عِظَتِي إِيَّاكَ إِنْ تَرَكْتَهَا وَرَغِبْتَ عَنْهَا حَبِطَ عَمَلُكَ، وَكُنْتَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
---------------
تاريخ الطبري (3/ 483)
الكامل في التاريخ (2/ 288)

تاريخ ابن خلدون (2/ 525)

سورة الفاتحة ، لماذا إذاً قدم الله سبحانه الرحمن على الرحيم؟

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل
سورة الفاتحة
لماذا إذاً قدم الله سبحانه الرحمن على الرحيم؟
قدم صيغة الرحمن والتي هي الصفة المتجددة وفيها الامتلاء بالرحمة لأبعد حدودها لأن الإنسان في طبيعته عجول وكثيراً ما يؤثر الإنسان الشيء الآتي السريع وان قل على الشيء الذي سيأتي لاحقاً وإن كثر (بل تحبون العاجلة) لذا جاء سبحانه بالصفة المتجددة ورحمته قريبة ومتجددة وحادثة إليه ولا تنفك لأن رحمته ثابتة. ووقوع كلمة " الرحيم " بعد كلمة الرب يدلنا على أن الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا وفيها إشارة إلى أن المربي يجب أن يتحلى بالرحمة وتكون من أبرز صفاته وليست القسوة والرب بكل معانيه ينبغي أن يتصف بالرحمة سواء كان مربياً أو سيداً أو قيما وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة.

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل – الدكتور فاضل صالح السامرائي (ص: 16)

ليس لنا تتبع واستقصاء عورات الناس

وليس لنا تتبع واستقصاء عورات الناس
العورة هنا ، ما لا يحب المرء أن يطلع عليه أحد ، حتى لو كان الفعل مغضبا لله
والقضية في ذلك واسعة تبدأ من بيوتنا وتتسع لجوارنا والمجتمع الذي نحيا به
إذا كان الله خالقنا ، والمطلع على سرائرنا ، من صفاته الستر بعباده
فمن نحن حتى ننتهك حرمات الناس
هناك من يبرر فعله بأن معرفته لعيب في الآخرين ، لا لشيء إلا ليحصن نفسه عند الحاجة
ولكن لنعلم والشواهد في الحياة كثيرة ، أن من هتك ستر الناس فضحه الله ، ليعلم الخلق كلهم سوء صنيعه
شاب طلق امرأته
سأله أصحابه عن السبب فأجاب لو ذكرت ، فإنها قد لا تتزوج غير
تزوجت الشابة
وعاد الصحب يسألون
لقد تزوجت وآن لك أن تذكر سبب طلاقك منها
فقال الشاب أأذكر ذلك حتى يبلغ زوجها فيطلقها ، فأي مرؤة فعلت
وليست القصة من الخيال بل حاصلة حقيقية
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اطلع في بيتِ قومٍ بغير إذنهم فقد حَلَّ لهم أن يفقئوا  عينهُ"
---------
-         رواه البخاري ومسلم - وأبو داود إلا أنه قال: ففقئوا عَيْنَهُ فقد هُدِرَتْ
-         الترغيب والترهيب للمنذري (3/ 435)
-----------

-         هُدِرَتْ  : أي ترك الأخذ بثأرها