صَبِيحَةٌ مُبارَكَة
هذه أرضي وهذا وطنيالعريش أرض الفيروز - مصر
صَبِيحَةٌ مُبارَكَة
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
ابن الوردي المعري وصف قارة أمريكا قبل اكتشافها
عاش ابن الوردي قبل كولومبس بمائة سنة وربما استلهم من النسخة
الخطية الموجودة في أوروبا ما قاله ابن الوردي عن ما يسمى اليوم بأمريكا في كتابه
الجغرافيا . وهذا الكتاب مشتمل على خرائط لكافة سطح الأرض وهي موافقة لخرائط ساندو
. حيث كانت خرائط ابن الوردي معروفة في أوروبا ولابد أم كولومبس اطلع عليها فيما
اطلع من كتب ، وهو نفسه اعترف بأن العرب أوعزوا له بوجود قارة جديدة . وقد وصف ابن
الوردي تلك الجزر بوصف يكاد ينطبق على بلاد أمريكا
فصل في بحر الظلمة .وهو
بالحر المحيط الغربي ، ويسمى المظلم، لكثرة أهواله وصعوبة متنه فلا يمكن أحداً من
خلق الله أن يلج فيه، إنما يمر بطول الساحل لأن أمواجه كالجبال الرواسي وظلامه
كدر، وريحه ذفر، ودوابه متسلطة، ولا يعلم ما خلفه إلا الله تعالى ولا وقف منه بشر
على تحقيق خبر، وفي ساحل هذا البحر يوجد العنب الأشهب الجيد، وحجر البهت وهو حجر
من حمله أقبل الخلق عليه بالمحبة والتعظم وفضيت حوائجه وسمع كلامه وانعقدت عنه
ألسنة الأضداد. ويوجد أيضاً بساحله حجارة مختلفة الألوان يتنافس أهل تلك البلاد في
أثمانها ويتوارثونها ويذكرون لها خواص عظيمة. وفي البحر من الجزائر العامرة
والخراب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد وصل الناس منها إلى سبع عشرة جزيرة.
جزيرة السعالي: وهي جزيرة عظيمة بها خلق كالنساء إلا إن لهم
أنياباً طوالاً بادية، وعيونهم كالبرق الخاطف ووجوههم كالأخشاب المحترقة، يتكلمون
بكلام لا يفهم ولا فرق بين الرجال والنساء عندهم إلا بالذكر والفرج، ولباسهم ورق
الشجر ويحاربون الدواب البحرية ويأكلونها.
وجزيرة حسرات: وهي جزيرة واسعة فيها جبل عال، وفي سفحه أناس
سمر قصار لهم لحى طوال تبلغ ركبهم، وجوههم عراض ولهم آذان كبار وعيشتهم من الحشيش،
وعندهم نهر صغير عذب.
وجزيرة العرر: وهي جزيرة طويلة عريضة، كثيرة الأعشاب
والنباتات والأشجار والثمار.
جزيرة المستشكين: وتعرف بجزيرة التنين. وهي عظيمة بها أشجار
وأنهار وثمار، وبها مدينة عظيمة .
جزيرة قلهات: وهي جزيرة كبيرة وبها خلق مثل خلق الإنسان، إلا
أن وجوههم وجوه الدواب يغوصون في البحر فيخرجون ما يقدرون عليه من الدواب البحرية
فيأكلونها.
جزيرة الأخوين الساحرين: أحدهما شرهام والآخر شبرام، وكانا
بهذه الجزيرة يقطعان الطريق على التجار، فمسخا حجرين قائمين في البحر، وعمرت
الجزيرة بعدهما.
جزيرة الطيور: ويقال إن فيها جنساً من الطيور في هيئة
العقبان، حمر ذوات مخاليب تصيد دواب البحر. وبهذه الجزيرة ثمر يشبه التين، أكله
ينفع من جميع السموم. حكى الجواليقي أن ملكاً من ملوك فرنجة أخبر بذلك فوجه إليها
مركباً ليجلب له من ذلك الثمر ويصاد له من تلك الطيور، لأنه كان عالماً بمنافع تلك
جزيرة الأخوين الساحرين: أحدهما شرهام والآخر شبرام، وكانا
بهذه الجزيرة يقطعان الطريق على التجار، فمسخا حجرين قائمين في البحر، وعمرت
الجزيرة بعدهما.
جزيرة الصاصيل: طولها خمسة عشر يوماً في عرض عشرة. وكان بها
ثلاث مدن مسكونه عامرة وكان التجار يسيرون إليها ويشترون منها الأغنام والأحجار
الملونة المثمنة، فوقع الشر بين أهلها حتى فني غالبهم وبقي منهم قليل، فانتقلوا
إلى بلاد الروم.
جزيرة لاقة: وهي جزيرة كبيرة وبها شجر العود كالحطب وليس له
هناك قيمة ولا رائحة حتى يخرج من تلك الأرض فيكتسب الرائحة؛ وكانت عامرة مسكونة
والآن قد خرجت فيها حيات كبار وتغلبت على أرضها فخربت بمثل ذلك.
جزيرة لاقة: وهي جزيرة كبيرة وبها شجر العود كالحطب وليس له
هناك قيمة ولا رائحة حتى يخرج من تلك الأرض فيكتسب الرائحة؛ وكانت عامرة مسكونة
والآن قد خرجت فيها حيات كبار وتغلبت على أرضها فخربت بمثل ذلك.
جزيرة ثورية: بها أشجار وأنهار ولكنها خالية الديار، وبهذا
البحر دواب عظيمة مختلفة الأشكال هائلة المنظر، يقال إن السمكة يمر رأسها كالجبل
العظيم الشامخ ثم يمر ذنبها بعد مدة، ويقال إن مسافة ما بين رأسها وذنبها أربعة
أشهر.
وهذه الأوصاف تقى إلى كثير من درجة الصحة
ولقد أكدت مجلة " نيوزويك " في عددها الصادر في
نيسان 1960 م أن أمريكا كانت معروفة للعرب ، وأن الوثائق التي عثر عليها تثبت أن
العرب وصبوا إليها قبل سنة 1100م . وذلك لعدة مواضع على الساحل . والتاريخ يرصد
لنا عدة محاولات عربية للوصول إلى أمريكا .0
يا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا
خريدة العجائب وفريدة الغرائب – ابن الوردي (ص: 195)
ابن الوَرْدي (691 - 749 هـ = 1292 - 1349 م) عمر بن مظفَّر
بن عمر ب محمد ابن أبي الفوارس، أبو حفص، زين الدين ابن الوردي المعرّي الكندي:
شاعر المعرة وأديبها ومؤرخها. ولد في معرة النعمان (بسورية) وولي القضاء بمنبج،
وتوفي بحلب. من كتبه " ديوان شعر " فيه بعض نظمه ونثره، وله " تتمة
المختصر " تاريخ، مجلدان، يعرف بتاريخ ابن الوردي، جعله ذيلا لتاريخ أبي
الفداء وخلاصة له، و " تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة - خ " نثر فيه
ألفية ابن مالك في النحو، و " الشهاب الثاقب " تصوف، و " اللباب في
الإعراب " نحو، و " شرح ألفية ابن مالك " نحو، و " شرج ألفية
ابن معطي " نحو، " وألفية " في تعبير الأحلام، و " تذكرة
الغريب " منظومة في النحو، و " مقامات " أدب، و " منطق الطير
" منظومة في التصوف، و " بهجة الحاوي " نظم بها الحاوي الصغير في
فقه الشافعية. وله " اللامية " التي أولها: " اعتزل ذكر الأغاني
والغزل "
صَبِيحَةٌ مُبارَكَة
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
الغُرور سر من أسرار البلاء الذي نحن فيه
وعند قصيدة إيليا أبو ماضي وأحمد شوقي لنا أن نقف
قالوا : الغَرورُ: الشيطانُ، وَأما الغُرورُ فَمَا اغْتُرّ
بِه من مَتَاعِ الدُّنْيا. وقالوا : الحُمْق الغُرور. وقيل من اغتر بحاله، قصر في
احتياله. ومن اغتر بمسالة – اغتر - الزمن، عثر بمصادمة المحن. والْمُنْذر بن
النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَكَانَ يلقب الْغرُور فَلَمَّا هزم قَالَ: أَنا
الْمَغْرُور . والغرور بحمل صاحبه على توهم غير صحيحة تدفع به للتهلكة . وجميل ما
قاله إيليا أبو ماضي : في قصيدته " النجوم والضفادع "
صاحت الضفدع لما شاهدت
.. حولها في الماء أظلال النجوم
يا رفاقي يا جنودي احتشدوا
.. عبر الأعداء في الليل التخوم
فاطردهم، واطردوا الليل معا
.. إنه مثلهم باغ أثيم
زعقة سار صداها في الدجى
.. فإذا الشطّ شخوص وحسوم
في أديم الماء من أصواتها
.. رعدة الحمى، وفي الليل وجوم
مزّق الفجر جلابيب الدّجى .. ومح من صفحة الأرض الرسوم
فمشت في سربها مختالة
.. كمليك ظافر بين قروم
ثم قالت: لكم البشرى ولي
.. قد نجونا الآن من كيد عظيم
نحن لو لم نقهر الشّهب التي
.. هاجتنا لأذاقتنا الحتوم
وأقامت بعدنا من أرضنا
.. في نعيم لم يجده في الغيوم
أيها التاريخ سجّل أننا
.. أمة قد غلبت حتى النجوم
ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حيث قال في قصيدة "
الغربان "
كانَ لِلغربانِ في العَصرِ مَليك ..
وَلَهُ في النَخلَةِ الكُبرى أَريك
فيهِ كُرسِيٌّ وَخِدرٌ وَمُهود ..
لِصِغارِ المُلكِ أَصحابِ العُهودِ
جاءَهُ يَوماً ندورُ الخادِمُ ..
وَهوَ في البابِ الأَمينُ الحازِمُ
قالَ يا فَرعَ المُلوكِ الصالِحين ..
أَنتَ ما زِلتَ تُحِبُّ الناصِحين
سوسَةٌ كانَت عَلى القَصرِ تَدور ..
جازَت القَصرَ وَدَبَّت في الجُدور
فَاِبعَثِ الغِربانَ في إِهلاكِها ..
قَبلَ أَن نَهلِكَ في أَشراكِها
ضَحكَ السُلطانُ في هَذا المَقال ..
ثُمَّ أَدنى خادِمَ الخَيرِ وَقال
أَنا رَبُّ الشَوكَةِ الضافي الجَناح ..
أَنا ذو المِنقارِ غَلّابُ الرِياح
أَنا لا أَنظُرُ في هَذي الأُمور ..
أَنا لا أُبصِرُ تَحتي بانُدور
ثُمَّ لَمّا كانَ عامٌ بَعدَ عام ..
قامَ بَينَ الريحِ وَالنَخلِ خِصام
وَإِذا النَخلَةُ أَقوى جِذعُها ..
فَبَدا لِلريحِ سَهلاً قَلعُها
فَهَوَت لِلأَرضِ كَالتَلِّ الكَبير ..
وَهَوى الديوانُ وَاِنقَضَّ السَرير
فَدَها السُلطانَ ذا الخَطبُ المَهول ..
وَدَعا خادِمَهُ الغالي يَقول
يا نُدورَ الخَيرِ أَسعِف بِالصِياح ..
ما تَرى ما فَعَلَت فينا الرِياح
قالَ يا مَولايَ لا تَسأَل نُدور ..
أَنا لا أَنظُرُ في هَذي الأُمور
وهل وصلنا إلى ما نحن فيه إلا بسبب الغرور ؟ مقولة دمرتنا قولنا
: أنا وبس
لباب الآداب لأسامة بن منقذ (1/ 60)
يا رب فرج عن سوريا وأهل سوريا
أحمد بن علي بن أحمد شوقي.
1285 - 1351 هـ / 1868 - 1932 م . أشهر شعراء العصر الأخير،
يلقب بأمير الشعراء، مولده ووفاته بالقاهرة، كتب عن نفسه: (سمعت أبي يردّ أصلنا
إلى الأكراد فالعرب) نشأ في ظل البيت المالك بمصر، وتعلم في بعض المدارس الحكومية،
وقضى سنتين في قسم الترجمة بمدرسة الحقوق، وارسله الخديوي توفيق سنة 1887م إلى
فرنسا، فتابع دراسة الحقوق في مونبلية، واطلع على الأدب الفرنسي وعاد سنة 1891م
فعين رئيساً للقلم الإفرنجي في ديوان الخديوي عباس حلمي. وندب سنة 1896م لتمثيل
الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين بجينيف. عالج أكثر فنون الشعر: مديحاً،
وغزلاً، ورثاءً، ووصفاً، ثم ارتفع محلقاً فتناول الأحداث الاجتماعية والسياسية في
مصر والشرق والعالم الإسلامي وهو أول من جود القصص الشعري التمثيلي بالعربية وقد
حاوله قبله أفراد، فنبذهم وتفرد. وأراد أن يجمع بين عنصري البيان: الشعر والنثر،
فكتب نثراً مسموعاً على نمط المقامات فلم يلق نجاحاً فعاد إلى الشعر.
إيليا أبو ماضي من كبار شعراء المهجر ، ولد في قرية (
المحيدثة ) اللبنانية ، وأقام في الإسكندرية سنة 1900م يبع السجائر ثم هاجر إلى
أميركا سنة 1901 م وتوفي في مدينة نيويورك
صَبِيحَةٌ مُبارَكَة
إِخْوَتِي أَخَوَاتِي
الحائل
من روائع الأدب بين عمرو بن مسعدة وزير الخليفة المعتصم وفضولي
عربي
قيل أن عمرو بن مسعدة وزير المعتصم قال: لما خرج المعتصم من
بلاد الروم وصار بناحية الرّقّة ، قال لي: ويلك يا عمرو! لم تزل تخدعني حتّى ولّيت
عمر بن الفرج الرّخّجي الأهواز وقد قعد في
سرّة الدنيا يأكلها خضما وقضما! فقلت: يا أمير المؤمنين فأنا أبعث إليه حتّى يؤخذ
بالأموال ولو على أجنحة الطّير- قال: كلّا بل تخرج إليه بنفسك كما أشرت به- فقلت
لنفسي: إن هذه منزلة خسيسة، بعد الوزارة أكون مستحثّا لعامل خراج! ولم أجد بدّا من
الخروج رضا لأمير المؤمنين- فقلت: ها أبا خارج إليه بنفسي يا أمير المؤمنين! قال:
فضع يدك على رأسك واحلف أنك لا تقيم ببغداد، ففعلت وأحدثت عهدا بإخواني ومنزلي
وأتي إليّ بزورق ففرش لي فيه، ومضيت حتّى إذا صرت بين دير هزقل ودير العاقول إذا شابّ على الشط يقول: يا ملّاح! رجل غريب
يريد دير العاقول فاحملني يأجرك الله! - فقلت: يا غلام قرّب له- فقال: جعلت فداك!
يؤذيك ويضيّق عليك- فقلت: قرّب له لا أمّ لك! فقرّب له وحمله على مؤخّر الزورق.
وحضر الطعام، فهممت أن لا أدعوه إلى طعامي، ثم قلت: هلمّ يا فتى، فوثب وجلس، فأكل
أكل جائع نهم إلا أنه نظيف الأكل؛ فلما فرغ من الطعام أحببت أن يفعل ما يفعل
العوّام فيتنحّى ويغسل يديه ناحية فلم يفعل، فغمزه الغلمان ليقوم فلم يفعل،
فتناومت عمدا لينهض فلم يفعل، فاستويت جالسا وقلت يا فتى! ما صناعتك؟ فقال جعلت
فداك! أنا حائك. فقلت في نفسي: أنا والله جلبت هذه البلية، وتغير لوني، ففطن أني
استثقلته، فقال: جعلت فداك! انك قد سألتني عن صناعتي فأجبتك، فأنت ما صناعتك؟
فقلت: هذه والله أضرّ من الأولى ألا ينظر إلى غلماني ونعمتي فيعلم أن مثل هذا لا
يسأل عن الحرفة؟ ولم أجد بدّا من الجواب، فلم أذهب إلى المرتبة العظمى من الوزارة
لكني قرّبت عليه، فقلت: أنا كاتب- فقال: جعلت فداك! الكتّاب خمسة فأيهم أنت؟ فأورد
عليّ ما لم أسمع به قبل- فقلت: بيّنهم لي- قال نعم، هم كاتب رسائل يحتاج إلى أن
يعرف المفصول والموصول، والمقصور والممدود، والابتداء والجواب؛ حاذقا بالعقود
والفتوح- قلت: أجل وماذا؟ قال: كاتب خراج يحتاج أن يعرف السّطوح والمساحة
والتّقسيط، خبيرا بالحساب والمقاسمات. قلت: وماذا؟ قال: كاتب قاض يحتاج أن يعرف
الحلال والحرام، والتأويل والتنزيل، والمتشابه والحدود القائمة والفرائض،
والاختلاف في الأموال والفروج، حافظا للأحكام، حاذقا بالشروط- قلت: وماذا؟ قال:
وكاتب جند يحتاج أن يعرف الحلى والشّيات قلت: وماذا؟ قال: وكاتب شرطة يحتاج أن
يعرف القصاص والجراحات، وموضع الحدود، ومواقع العفو في الجنايات- قلت حسن. قال:
فأيّهم أنت؟ فكنت متّكئا فاستويت جالسا متعجّبا من قوله، فقلت: أنا كاتب رسائل-
قال: فإن أخا من إخوانك واجب الحقّ عليك معتنيا بأمورك لا يغفل منها عن صغير ولا
كبير يكاتبك في كل محبوب ومكروه وأنت له على مثل ذلك تزوّجت أمّه كيف تكتب إليه؟
أتهنيه أم تعزيه؟ - قلت أهنيه. قال فهنّه فلم يتّجه لي شيء- فقلت: لا أعزّيه ولا
أهنّيه، فقال: إنك لا تغفل له عن شيء ولا تجد بدّا من أن تكتب إليه- فقلت: أقلني
فأنا كاتب خراج- قال: فإنّ أمير المؤمنين وجّه بك إلى ناحية من عمله، وأمرك بالعدل
والإنصاف، وأنك لا تدع شيئا من حقّ السلطان يذهب ضياعا، وحذّرك الظّلم والجور،
فخرجت حتّى قدمت الناحية فوقفوك على قراح أرض خطه قابل قسيا كيف تمسحه- قلت: آخذ
وسطه وآخذ طوله فأضربه فيه- قال: تختلف عليك العطوف- قلت: آخذ طوله وعرضه من ثلاثة
مواضع- قال: إن طرفيه محدودان وفي تحديده تقويس وذلك يختلف- فأعياني ذلك- فقلت:
أقلني فأنا كاتب قاض- قال: فإنّ رجلا هلك وخلّف زوجة حرّة وسرّيّة حاملتين فوضعتا
في ليلة واحدة وضعت الحرّة جارية، ووضعت السّرّيّة غلاما، فوضعت الجارية في مهد
السّرّيّة، فلما أصبحت السّرّية قالت الغلام لي، وقالت الحرّة بل هو لي كيف تحكم
بينهما؟ - قلت: لا أدري فأقلني، فأنا كاتب جند، قال: فإن رجلين من أصحاب السلطان
أتياك اسمهما واحد، وأحدهما مشقوق الشّفة العليا، والآخر مشقوق الشّفة السّفلى،
ورزق أحدهما مائة والآخر ألف كيف تحلّيهما؟ - قلت: فلان الأعلم وفلان الأعلم، قال:
إذن يجيء هذا ورزقه مائة فيأخذ الألف، ويجيء هذا ورزقه ألف فيأخذ المائة- قلت
أقلني: فأنا كاتب شرطة،- قال: فإن رجلين تواثبا فشجّ أحدهما صاحبه موضحة ، وشجّه
الآخر مأمومة «2» كيف يكون الحكم فيهما؟ - قلت: لا أدري فأقلني،. قال فقلت: إنك قد
سألتني فبيّن لي- قال نعم. أما الذي تزوّجت أمّه فتكتب إليه: أما بعد فإن الأمور تجري
على غير محابّ المخلوقين والله يختار لعباده، فخار الله لك في قبضها إليه فإن
القبور أكرم الأكفاء والسلام. وأما القراح من الأرض، فإنك تمسح اعوجاجه حتّى تعلم
كم قبضة تكون فيه فإذا استوى في يدك عقد تعرفه ضربت طرفه في وسطه. وأما الحرّة
والسّرّية فيوزن لبنهما فأيّهما كان لبنها أخفّ فالبنت لها. وأما المشقوق الشّفة
العليا فأعلم والمشقوق الشّفة السّفلى فأفلح. وأما المأمومة ففيها ثلث الدية وهي
ثلاث وثلاثون من الإبل وثلث. وأما الموضحة ففيها خمس من الإبل؟. فقلت: ألست تزعم
أنك حائك، فقال: أنا حائك كلام لا حائك نساجة. قال عمرو بن مسعدة: فأحسنت جائزته
واستصحبته معي حتّى عدت إلى المعتصم، فسألني عمّا لقيت في طريقي، فقصصت عليه
القصّة فأعجب به وقال: لم يصلح؟ فقلت: للعمائر فقرّره فيها وعلت رتبته، فكنت ألقاه في الموكب
النبيل فيترجّل لي فأنهاه، فيقول: هذه نعمتك وأنت أفدتها.
فقد تبين بهذه الحكاية أن لكل نوع من الكتابة مادّة يحتاج
إليها بمفردها، وآلة تخصها لا يستغنى عنها.
العقد الفريد (4/ 260)
شرح مقامات الحريري (2/ 144)
صبح الأعشى في صناعة الإنشاء – القلقشندي (1/ 177)