صَبِيحَةٌ
مُبارَكَة
إخوَتِي
أَخَوَاتِي
العلماء
.. والناس .. والزمان
علماء
جهابذة أحرقوا كتبهم
على
رأسهم فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة أبي حيان التوحيدي
ضاق
ابو حيان التوحيدي بالناس والزمان حداً دفعه الى احراق كتبه في اخريات ايامه كي لا
تقع في ايدي اناس لا يفهمونها ولا يقدرونها حق قدرها .. وعندما عوتب على ذلك،
اعتذر بخطاب يفيض بحرارة الشكوى من جحود الناس وضيق الرزق رغم كل ما نال من الشهرة
.. وما توفر له من علم. وقال ابو حيان في هذا الخطاب : والخطاب موجها للقاضي أبو
سهل علي بن محمد يعذله على صنيعه، ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه، فكتب
إليه أبو حيان يعتذر من ذلك: «حرسك الله أيها الشيخ من سوء ظني بمودتك وطول جفائك،
وأعاذني من مكافأتك على ذلك، وأجارنا جميعا مما يسود وجه عهد إن رعيناه كنا
مستأنسين به، وإن أهملناه كنا مستوحشين من أجله، فأدام الله نعمته عندك وجعلني على
الحالات كلها فداك. وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقّع، على ظماء برح منّي إليه،
وشكرت الله تعالى على النعمة به عليّ، وسألته المزيد من أمثاله الذي وصفت فيه بعد
ذكر الشوق إليّ والصبابة نحوي وما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الذي نمي إليك
فيما كان مني من إحراق كتبي النفيسة بالنار وغسلها بالماء، فعجبت من انزواء وجه
العذر عنك في ذلك، كأنك لم تسمع قارئا يقرأ قوله جلّ وعز: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ
إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (القصص: 88) وكأنك لم تأبه
لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ . ومما قاله لتبيرير ما فعل : استخرت الله
عز وجل فيه أياما وليالي، وحتى أوحى إليّ في المنام بما بعث راقد العزم، وأجدّ
فاتر النية، وأحيا ميت الرأي، وحثّ على تنفيذ ما وقع في الرّوع وتريّع في الخاطر،
وأنا أجود عليك الآن بالحجة في ذلك إن طالبت، أو بالعذر إن استوضحت، لتثق بي فيما
كان مني، وتعرف صنع الله تعالى في ثنيه لي» . إن العلم يراد للعمل، كما أن العمل
يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلّا على العالم، وأنا أعوذ
بالله من علم عاد كلا وأورث ذلا وصار في رقبة صاحبه غلا، وقال : فشق عليّ أن أدعها
لقوم يتلاعبون بها ويدنّسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا
تصفحوها، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها، فإن قلت: ولم تسمهم بسوء الظن وتقرّع
جماعتهم بهذا العيب؟ وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صحّ لي من أحدهم
وداد ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في
أوقات كثيرة إلى أكل الخضراوات في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة
والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالنفاق والسمعة، وقال : «وبعد
فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم، منهم
أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في
بطن الأرض فلم يوجد لها أثر. وهذا داود الطائي، وكان من خيار عباد الله زهدا وفقها
وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت،
والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول وبلاء وخمول. وهذا يوسف بن أسباط، حمل
كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسدّ بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلّنا العلم في
الأول ثم كاد يضلّنا في الثاني، فهجرناه لوجه من وصلناه، وكرهناه من أجل من
أردناه. وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله
ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك. وهذا سفيان الثوري مزّق ألف جزء وطيّرها في الريح
وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا. وهذا شيخنا أبو سعيد
السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل،
فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار» .
ـــــــــــــــــــ
معجم
الأدباء – ياقوت الحموي (5/ 1924)
علي
بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن العباس، أَبُو حيان التوحيدي : أصله من نيسابور وهو
بغدادي، سكن شيراز. وكان أديبا نحويا لغويا؛ له المصنفات الحسنة المشهورة كالبصائر
وغيرها. سمع أبا بكر مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الشافعي وأبا محمد جعفر بن محمد بن
نصير والمعافى بن زكريا النهرواني وأبا عبيد الله المرزباني، روى عنه أَبُو عَبْدِ
اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فارس في آخرين. ومن شعره قوله:
قل
لبدر الدجى وبحر السماحة ... والذي راحتاه للناس راحة
ما
تركت الحضور سهوا ولكن ... أنت بحر ولست أدري السباحة
تاريخ
بغداد – الخطيب البغدادي (21/ 148)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق