الجمعة، 2 يناير 2026

أسواق العرب في الجاهلية سوق عكاظ موقعه – النشاطات الاجتماعية والأدبية والاقتصادية

 

صَبِيحَةٌ مُبارَكَة
إخوَتِي أَخَوَاتِي

أسواق العرب في الجاهلية

سوق عكاظ موقعه – النشاطات الاجتماعية والأدبية والاقتصادية

كانت للعرب أسواقاً موسمية مؤقتة تلبية لحاجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والأدبية، وكانت تتم حمايتها من قبل بعض القبائل ، ولم يكن للأسواق الموسمية أو قات ثابتة ، يؤمها التجار والأدباء والشعراء وغيرهم، فغدت وكأنها مهرجانات موسمية. أما عدد الأسواق فبين السبعة والسابعة والعشرين قامت تلك الأسواق وأمَّها العرب عامة؛ لأنها مارست نشاطات متعلقة بالحياة الروحية والمادية، بالإضافة إلى أنها تميزت بخصائص وصفات عامة أهمها : الأمن . واستمرت بعض هذه الأسواق حتى ظهور الإسلام ، مثل سوق حباشة الذي دام -إلى عام (۱۹۷ هـ / ۸۱۲، ۸۱۳م). وكانت بعض هذه الأسواق تستغل في موعدها الأشهر الحرم وبهذا يسهل ارتيادها ، كسوق عكاظ ،إضافة للأسواق التي تعقد في غير الأشهر الحرم وبالتالي فهي تحتاج للحراسة ، منها سوق حباشة وسوق صحار في رجب، وسوق حضرموت في ذي القعدة، وقد امتاز سوق عكاظ بقيامه في الشهور الحرم ، فهو يبدأ في الأول من شهر ذي القعدة ويستمر حتى نهايته ، وهذا التاريخ قريب من موسم الحج ، وكانت بداية ظهور سنة (500م) تقريباً بدليل أن أمرئ القيس المتوفى سنة (540م) قد حضره وشارك بمعلقته التي خلدت ذكره، وتوقف في العام (١٢٩هـ / ٧٤٧م) عندما تمت السيطرة على الخوارج، بزعامة أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي، مكة. والراجح أنه توقف قبل ذلك بكثير على الفتوح الإيرانية التي استغرقت وقتا طويلا ، امتاز هذا السوق بخلوه من العشور والأتاوات، فليس هو بأرض مملكة ولا حاكم يعشر تجاره ورواده، كان لكل قوم من نزلاء السوق منازل خاصة بهم، فإذا غادر الناس مضاربهم إلى المعارض والأندية، اختلطوا على اختلاف جنسياتهم، فيجنون من البيع والشراء، ويتبارون في الشعر، ويتبادلون الروايات فيما جرى منذ الموسم الفائت، ويتحاجون ويتفاخرون ويتفادون أسراهم، ويرفع من له مشكلة قضيته إلى صاحب القضاء ليدلي بحكمه الفاصل فيها، ويضبط أشراف القبائل وقادتها أفرادهم، ويمارسون عرض سلعهم للبيع والشراء. وتضم بضاعة السوق من : اليمن: البرود اليمانية المخططة والموشاة والمسيرة بخطوط حرير، الزعفران والأصبغة والبخور والعقيق والتوابل والطيب. فاللؤلؤ من البحرين، والتمور من هجر. ومن الشام الزيوت الزبيب القمح والدقيق، والأواني الزجاجية ، وزيت السمسم المصنوعات الذهبية والفضية. ومن عسقلان : الحناء . ومن بصرى وغزة: الخمور الجيدة. ويبيع الأعراب الصوف والشعر والدهون والسمن والوبر والأنعام من إبل وغنم والجلود المدبوغة والأحذية والأوكية. وفي السوق عطارون يحملون عطارتهم والأدوية والأعشاب والمسك والطيوب والعطور، وبياطرة يعالجون الدواب، ونجارون وبزازون يبيعون الثياب والسلاح . كان سوق َعَكاظ أشبه بالسوق الحرة حيث بضائعه المجلوبة والمصدرة معفاة من العشور والمكوس، إضافة إلى أنه مشمول بحرمة الحرمين ، حرمة الحرم وحرمة الشهر، فأمن الناس واطمأنوا على أنفسهم وبضاعتهم، وتوافرت فيه الفرص لبيع السلع المحلية والأجنبية. وللعرب في سوق عكاظ محكمة تجارية وأخرى قانونية، وخير مثال على هذه الأخيرة حلف الفضول بسلطانه القوي عليه وضمانه حقوق المظلومين الضعفاء، والقضاء فيه لهوازن قبل حروب الفجار، وصار لكنانة بعدها . فقد تولى عامر بن الظرب العدواني حكومة عكاظ وقضاءها وموسمها، ثم اجتمع القضاء والموسم في يد رجل واحد من تميم هو سعد بن زيد مناة، واستمر الأمر على ذلك، فتولاها ثمانية رجال من تميم على التوالي إلى قبيل مجيء الإسلام حيث مات سفيان مجاشع بن دارم من تميم فافترق الأمر، وعندما ظهر الإسلام كان الأقرع بن حابس يتولى القضاء، وآخر من أجاز الموسم كرب بن صفوان وتروي روايات المصادر ما قد يوحي أن في السوق كتاباً عدولاً كانوا يتولون كتابة العقود والمعاملات ، بل إن عكاظ كان فيها وسائل الإعلان للتشهير بمنتهكي العهود أو بمرتكبي أعمال الغش والتدليس ، ويدل ذلك على أن سوق عكاظ تحول إلى مرفق مشترك لكل العرب في الجزيرة يقصده كل من يرغب في نشر خبر، وفي ذلك نموذج لتحول الأسواق إلى مواقع عيش مشترك التقت فيها القبائل على الصعد الاقتصادية والدينية واللغوية، واستعمل العرب في سوق عكاظ شهادة المنشأ، أي العلامة التجارية، وهي السمات التي يتخذونها على بضائعهم، ولكل تاجر منهم وسمة خاصة يميز بها بضائعه، وتباروا في ألوان الترف المختلفة، فغالوا بالثياب والبرود والطيب والسلاح، وتزعم أشرافهم ذلك كله، وأقاموا الحفلات الغنائية والسمر . وكانت تُعقد في سوق عكاظ، إلى جانب ذلك، اجتماعات تبحث في قضايا سياسية واجتماعية، وتضع الاتفاقيات والمهادنات بين القبائل، وتنظم فيما بينها على أساس من السلام والأمن . والمعروف أن الأسواق العربية كانت في الأصل أماكن للعبادة حيث كانت تعبد الأنصاب، وتُذبح القرابين، وتُقدَّس الأصنام، ويُطاف حولها. وأشهر صنم كان يُعبد في عكاظ هو صنم جهار الذي كان لهوازن . وهو مكان إقامة سوق عكاظ ، وكانت توجد صخور كان العرب يطوفون حولها ويقدسونها. وكان يغشى السوق بعض المبشرين يبثون أفكارهم الدينية ويدعون الناس إلى اعتناقها . ومارس العرب في سوق عكاظ النشاط الثقافي، فكان هذا السوق ملتقى العرب لتبادل الأفكار والأشعار وتنقية اللغة وتصفيتها وتوحيدها والمعروف أن لغة التعاطي اليومي كانت تختلف في لهجاتها بين القبائل العربية، وكان الشعراء في هذا السوق يخضعون لمعيار واحد هو معيار قريش في الفصاحة واللغة، فما قبلته قريش كان مقبولاً، وما ردته منها كان مردوداً . ويؤم السوق الشعراء والخطباء والحكماء، يعرضون شعرهم، فيؤثرون في أهل السوق حتى نراهم يتبعون رأي الشاعر في مدحه وفي هجائه. وكان الخطباء والحكماء يخطبون بالناس من مختلف القبائل، ويتساجلون فيما بينهم، وكان همهم أن يفهمهم الجميع، لذلك كان سوق عكاظ عاماً ظهرت فيه عوامل التوحيد الثقافي واللغوي. وضربت في عكاظ قبة حمراء من أدم مُخصَّصة للأدب والشعر حيث يجلس حكام الشعر واللغة فيها لانتخاب الأجود، فيُمنح الشاعر وسام عكاظ عند فوز قصيدته.

ــــــــــــ

تاريخ اليعقوبي (ص: 105)

الأزمنة والأمكنة – المرزوقي (ص: 105)

المحبر – محمد حبيب (ص: 134)

قصة شعر في الحجاز في الشعر الجاهلي: محمد عبد المنعم خفاجي: ص 174.

الكامل في التاريخ – ابن الأثير (2/ 354)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق